تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ

هل لهذه الوقاحة من حد ؟!
جنوری 1, 2020

محمد فرمان الندوي

كذا فليجل الخطب …….. :

تندلع في الهند نار المظاهرات والاحتجاجات والاعتصامات ، من كل الأعراق والديانات حتى الأحزاب السياسية ، وذلك ضد السجل القومي للمواطنين N.R.C. ، وقانون تعديل المواطنة C.A.A. ، وتسجيل السكان القومي N.P.R. ، وهذه الأسماء كلها مسميات لمعنى واحد ، وهو اعتبار المسلمين مواطنين في الدرجة الثانية ، وإلغاء جنسيتهم ، وإسكان غير المسلمين في الهند من الدول المجاورة خاصةً من أفغانستان وباكستان وبنغلاديش ، وقد صيغ هذا القانون كأنه مساعد للأقليات ، لكنها ظلم واعتداء على المسلمين ، وبالتالي على الطبقات المتخلفة ، بحيث تنسخ جنسيتهم ، وتلغى نُظم معيشتهم ، وقد بلغت هذه الاحتجاجات إلى صراعات دموية ، حتى ذهب ضحيتها عدد ملحوظ من السكان ، ولا يُلمس  أدنى تراجع في موقف الطبقة الحاكمة ، بل يشتد ويزداد تفاقماً مع مرور الأيام ، ولا تتوقف الاحتجاجات ولا خروج المسيرات في بلد دون بلد ، ومدينة دون مدينة . وقد رفعت المرافعات إلى المحكمة العليا ، لكنها  خصصت لها مدةً  لا بأس بها – فلعلّ الله يحدث بعد ذلك أمراً – .

ليست هذه القضية أولى القضايا التي نُسجت خيوطها ضد المسلمين في الهند ، بل كان المسلمون قد تعرضوا لخطر الشريعة الإسلامية إبان الزمن الإنجليزي ، فلم يتمكنوا من تطبيق أحوالهم الشخصية في تلك الآونة ، فجاهدوا وحاربوا ، وتظاهروا حتى سمحت لهم الحكومة الإنجليزية بقانون تطبيق الشريعة (Shariat Application    Act ) ، وذلك في عام 1937م ، ثم كانت قضية الأحوال الشخصية عام 1972م ، فشكلت هيئة قانون الأحوال الشخصية للسلمين لعموم الهند ، واجتمعت رموز إسلامية في الهند ضد هذه القضية ، وألقوا خطباً وكلمات مثيرةً ، أثرت في الحكومة الحاكمة آنذاك أيما تأثير ، وتراجعت عن موقفها ، ولا يعزبن عن البال أن قضية ” شاه بانو ” كانت من القضايا المحركة للضماير زمن رئاسة الإمام الندوي رحمه الله تعالى لهيئة الأحوال الشخصية ، فتظاهر العلماء وعامة المسلمين ضد هذه القضية ، حتى جرى تعديل في هذا القانون واطمأنوا به ، لكن قضية تعديل المواطنة والسجل القومي للمواطنين تختلف عن القضايا السابقة ، أثيرت هذه القضية من الطبقة التي تنتمي إلى نظرية الهندوسية ، وتعتقد أن تجعل الهند دولةً هندوسيةً – لا قدَّر   الله – .

ردود فعل عالمية على قانون تعديل المواطنة :

بلغت انتقادات تعديل المواطنة خارج الهند ، فاستنكرت البلدان والدول والجمعيات والمنظمات العالمية ونشرت تقارير الاحتجاجات في الصحف والجرايد الدولية ، كما تناولت وسائل الأعلام الإلكترونية أيضاً بتغطية أحداثها المؤلمة ، وقال مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان : القانون ينطوي على تمييز جوهري في طبيعته ، وقال رئيس ماليزيا : نحن أيضاً نسنّ قانون الجنسية في بلادنا ، حتى نخرج الوافدين ، خاصةً الهندوس من أرضنا ، ونددت تركيا بهذا القانون الجائر ، واعتبرته ظلماً على المواطنين الهنود . كما نددت بنغلاديش بهذا القانون ، وألغت زيارة وزيرين للهند احتجاجاً على هذا القانون ، وقال وزير الخارجية البنغلاديشي عبد القادر عبد المؤمن : هذا القانون قد يضعف الشخصية التاريخية للهند كدولة علمانية ، وقد ألغى رئيس اليابان رحلته إلى الهند نظراً إلى خطورة الأوضاع ، وقد أصدر الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين بياناً صارماً حول هذا القانون ، ووصفه بأنه عنصري ، وجرى منه استنكار شديد تجاه القانون الجائر ، هذه رشحة من البيانات رغم أن الموضوع يتطلب أن يكون العالم الإسلامي يداً واحدةً نحو هذا الموقف السلبي .

لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً :

وُجد القانون منذ وجد الإنسان ، بل منذ أن خلق الله السماوات والأرض في ستة أيام ، وكان في قدرته سبحانه أن يخلق في دقائق وثوان ، لكنه خلق في زمن خاص ، هذا دليل على ظهور النظام الإلهي في الكون في بدايته ، وحينما خلق الله الإنسان ، فرتب له نظام العيش في هذه  الدنيا ، فأرسل الأنبياء والرسل ، وأنزل الكتب والصحائف ، فهذه الكتب والصحائف قوانين إلهية من الله تعالى لبني البشر ، فإن هذه القوانين كانت مختلفةً في زمن دون زمن ، فكل نبي له قانون ، وآداب حياة ، وكل شعب له أصول وجذور يتشبثون بها ، والجدير بالذكر أن أساس كل نبي الإسلام ، لكن دعائمه الشرائع التي نزلت في زمن كل نبي ، فلليهود قانون ، وللنصارى قانون ، ولأهل الزبور قانون ، ولأتباع سيدنا آدم ونوح وإبراهيم قوانين . فالأساس ما تغير ، لكن الشرائع كانت تتغير حسب تطورات الزمان . هذا معنى قوله تعالى : لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً ( المائدة : 48 ) . قال ابن عباس : أي شريعة وسنة ( ابن كثير : تفسير الآية ) .

أما القانون  الأخير فهو شريعة محمد صلى الله عليه وسلم ، وهو قانون جامع شامل يتطلب مقتضيات كل زمان ومكان ، أنزله الله تعالى من فوق سبع سماوات ، يتصف بالعدل والنصفة . وليعلم أن القوانين تُسن لصالح العباد والبلاد ، وإدخال الطمأنينة في قلوب الناس ، وصيانة  النفس ، والمال والعرض ، وتُشرع هذه القوانين لابتعادهم عن الهمجية والتطرف والوحشية ، كما تهدف إلى أن يعيش الناس في هدوء    وطمأنينة ، ولا يصابوا بإفراط وتفريط ، ولا يخرقوا الحقوق ولا ينتهكوا الحرمات . بل تكون أعراض الناس وأموالهم سالمةً ومصونةً من كل  خطر .

ثلاثة أنواع من نظام الحكم :

وتوجد الآن على هذه الأرض ثلاثة أنواع من القوانين : الملوكية ، والجمهورية والإسلامية ، فالملوكية هي كما جاء في بعض الأمثال : الناس أتباع من غلب ، لا قانون  فيها ولا إرادة ، ولا شرعية ونظام ، بل جميع الناس يكونون تحت إرادة الملوك كما كان في الإمبراطوريتين الساسانية والبيزنطنية ، والجمهورية هي التي تسن قوانينها في ضوء اتجاهات المواطنين ومصالحهم ، وتكون فيها مراعاة جميع النظرات والأيدلوجيات ، أما الإسلامية فهي التي يكون فيها الكتاب الإلهي قانوناً ودستوراً شرعياً ، ويكون القانون مواقفاً للفطرة ، شهد الناس خلال القرون الماضية أفكاراً حديثةً مثل الاشتراكية والشيوعية والرأسمالية ، كلها لعبت دوراً في عصورها ، وقام رجالها ودعاتها إلى تطبيقها على الحياة والمجتمع ، فأثرت هذه النظريات فترةً من الزمن ، وأعجب بها الناس ، وخاصة الشباب المسلم ببريقها ولمعانها وسحرها ، ثم ماتت ومات رجالها  في عقر دارهم ، فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين .

وما أدراك ما الدستور الهندي ؟

إن أقدم قوانين الجمهوريات في هذه الدنيا لبريطانيا ، وهي أساس لجميع الدول وأمها ، ثم يأتي دور دستور أمريكا ، ويشتمل على سبعة بنود مركبة من أربعة آلاف كلمة ، يغطي عشر صفحات أو اثنتي عشرة صفحةً ، وهو نموذج في الإيجاز والاختصار ، يستطيع أن يقرأها القارئ في نصف ساعة أو أقل ، ويغطي الدستور الروسي 174/ صفحةً ، والدستور الياباني مأة وثلاث صفحات ، والدستور الإيطالي في 157/ صفحة ، والدستور الكندي في 127/ صفحة ، والدستور الأوسترالي في 128/ صفحة . لكن الدستور الهندي أطول الدساتير العالمية تشتمل على 395/ صفحة ، ويغطي أربع مأة صفحة وخمسين صفحة ، استفاد مشرعو هذا الدستور من الدساتير العالمية ، فهو دستور جامع ، ويتميز بين دساتير العالم أنه جمهوري وعلماني ، انخرط سكان الهند في سلك  واحد ، ولكل مواطن حرية كاملة في تطبيق شعائره وعباداته وإبداء آرائه وإجراء تعاملاته .

هل من مجيب ؟

تم الاتفاق في مجلس النواب ومجلس الشيوخ على قانون تعديل المواطنة ، وهو خارق للدستور الهندي ، ومضاد له ، فإن الحكومة الحاكمة لا تتنازل عنه قيد شبر ( كما يصرح بذلك بعضهم ) ، وتتمنى أن يلغى هذا الدستور ، ويحل محله نظام آخر للهندوسية ، التي تؤمن بالتفاوت الطبقي ، وكثرة الآلهة وغير ذلك من المعتقدات الباطلة . رغم أن الهند مهد للديانات والثقافات ، فكيف ينال هؤلاء غايتهم ، وكيف يجدون بغيتهم ؟ على كل ، تتضاعف المسئوليات والواجبات على أصحاب الضماير الحية في العالم كله أن يبذلوا في الحفاظ عليه مجهوداتهم ، فإن سعياً حثيثاً منهم يجعل الأمر سهلاً ميسوراً . بِنَصْرِ ٱللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَآءُ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ .