الهجرة النبوية : رسالة الوسطية والتسامح

الدعوة الإسلامية في الجزائر مع عناية خاصة بجهود الشيخ عبد اللطيف سلطاني
ستمبر 15, 2020

 

الهجرة النبوية : رسالة الوسطية والتسامح

الأستاذ علاء الدين محمد الهدوي فوتنزي *

ليست الهجرة بالظاهرة الحديثة ، بل هي جزء لا يتجزأ من الكينونة البشرية [1] ، وهجرة البشر هي الانتقال إلى بلد أجنبي من أجل العيش والاستقرار فيه ، وعلى امتداد التاريخ انتقل الناس من بلد إلى آخر لأسباب كثيرة ، فقد يسعى المهاجرون لعمل أفضل ، أو بحثاً عن أراض جديدة لزراعتها أو هروباً من الاضطهاد بسبب العقيدة الدينية أو السياسية أو الاجتماعية ، لكن الهجرة النبوية لم تكن انتقالاً مادياً من بلد إلى آخر فحسب ، ولكنها كانت انتقالاً معنوياً من حال إلى حال ، إذ نقلت الدعوة الإسلامية من حالة الضعف إلى القوة ومن حالة القلة إلى الكثرة ، ومن حالة التفرقة إلى الوحدة ، ومن حالة الجمود إلى الحركة .

ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم أول من يهاجر في سبيل الله ، بل مرّ بهذا الامتحان كثير من الأنبياء ، وقد أخبرنا الله تعالى بأن إبراهيم عليه السلام هاجر من موطنه الى مصر وغيرها داعياً إلى التوحيد ، وأن يعقوب ويوسف عليهما السلام هاجرا من فلسطين إلى مصر وأن لوطاً هجر قريته لفسادها وعدم استجابتها لدعوته ، وأن موسى عليه السلام هاجر بقومه من مصر إلى سيناء فراراً بدينه من طغيان فرعون ، وهكذا فإن الهجرة من سنن النبيين ، وقد كانت هجرة نبينا عليه الصلاة والسلام خاتمة لهجرات النبيين ، وكانت نتائجها عميقةً شكلت منعطفاً تاريخياً حاسماً .

لقد حملت الهجرة في طيّاتها أعظم معاني التضحية والفداء والصبر والنصر من الله تعالى والصحبة الصادقة ، يقول الله   تعالى : ( إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ   حَكِيمٌ ) [2] .

مفهوم الهجرة وتعريفها :

الهجرة هي الانتقال من مكان لآخر بقصد الاستيطان والإقامة مهما كانت مسافة الانتقال ، الهجرة [3] لغةً لفظ مشتق من الكلمة الثلاثية ” هَجَرَ ” ، ومعناها الرحيل عن المكان ، أو التخلي عن شيئ ما ، أمّا اصطلاحاً فتعرف الهجرة بأنّها الانتقال من البلد الأمّ للاستقرار في بلد آخر ، وهي حركة أفراد يتمّ فيها الانتقال بشكل فرديّ أو جماعيّ من موطنهم الأصليّ إلى وطن جديد .

وقد ورد عن ابن فارس أنّ الهاء ، والجيم ، والراء    أصلان ، أحدهما يدل على شدّ شيئ أو ربطه ، أمّا الآخر فيدل على القطع أو القطيعة ، وهي عكس الوصل ، كما ورد عن ابن منظور أن الهجرة لغةً هي الخروج من أرضٍ لأرض [4] ، وقال  الجوهري : الهجر ضد الوصل ، والمهاجر من أرض إلى أرض ترك الأولى للثانية ، والتّهاجر هو التقاطع ، قال تعالى : ( وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجع ) ويمكن القول : إنّ الهجرة في اللغة لم تقتصر على معنى واحد ، وإنما تشتمل على عدّة معان ؛ فالهجرة بمعنى المفارقة والقطع ، وهي عكس الوَصل ، وتعني مفارقة الشخص لغيره باللسان أو القلب أو البدن ، وقد كان أصل الهجرة عند العرب في خروج البدو من البادية مُتّجهين نحو المُدن بحثاً عن الرزق .

وأما الهجرة في المدلول الإسلامي هي الحدث الكبير الذي شكل منعطفاً فارقاً في تاريخ الدعوة الإسلامية ، وهي هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من مكة إلى المدينة ، بعد الاضطهاد والتعذيب الذي تعرضوا له من طرق صناديد قريش .

إطلالة على تاريخ الهجرة البشرية :

منذ حوالي مليوني سنة ، خرج الإنسان من موطنه الأصلي في إفريقيا ، باتجاه الشمال عبر القرن الإفريقي إلى الجزيرة العربية ومنها إلى أوراسيا ، وذلك بسبب التطورات الجيولوجية الكبيرة في ذلك الحين ، وكانت نتيجتها تضخم الصحراء الإفريقية ، ما أدى حسب بعض النظريات العلمية إلى تغير كبير في مجرى نهر النيل ، ونتيجة ذلك تفرق هؤلاء في كافة أنحاء العالم القديم وصولاً إلى جنوب شرق آسيا .

وقد وجدت آثار أحفورية تدل على وصول هذا النوع من البشر إلى شرق آسيا ، في ريوات ، باكستان ، تعود إلى ما يقرب من مليوني سنة ، كما وجدت آثار في تل عبيدية قرب بحيرة طبريا في فلسطين تعود إلى حوالي 1.5 مليون سنة ، وأيضاً وجدت آثار في دمانيسي في القوقاز تعود إلى 1.81 مليون سنة .

وفي الصين وجدت آثار لأدوات حجرية ، في حوض   نيهيفان ، استعملها الإنسان منذ حوالي 1.66 مليون سنة . وقد وجدت في الموقع الأثري في خينهودو في مقاطعة شانغي أول علامة على استعمال للنار منذ 1.27 مليون سنة ، وتشير أقدم الآثار الأحفورية التي وجدت في ” أومو كيبيش ” في إثيوبيا بالقارة الإفريقية إلى أن أجدادنا عاشوا هناك منذ 200000 سنة .

الهجرة النبوية : رسالة الوسطية والتسامح

وفي ذكرى الهجرة النبوية الشريفة لابد للمسلم الواعي أن يتفكر ويستنبط العبر والعظات من هذا الحدث العظيم الذي غيَّر وجه التاريخ والإنسانية ، تلك الهجرة المباركة التي نتذكر من خلالها أحداثاً عامرةً في قلوبنا ، والتي تعتبر حادثاً فارقاً بين مرحلتين من مراحل الدعوة الإسلامية ، هما المرحلة المكية والمدنية ، حيث كان لهذا الحادث آثار جليلة على المسلمين ، ليس فقط في عصر النبوة ، ولكن آثاره الخيرة قد امتدت لتشمل حياة المسلمين في كل زمان ومكان [5] .

وكان من مقاصد الهجرة النبوية المباركة هو البحث عن أرض طيبة لغرس بذرة الإيمان والتمكين للعقيدة التوحيدية الربانية [6] ، وتوفير الأمن والسلام للمؤمنين الذين اتبعوا هذا الدين القيّم ، وإيجاد أنصار أقوياء أمناء يسهمون في بناء الدولة الإسلامية على أصولها الإنسانية والربانية المؤسسة على العدل والتسامح والحرية والأخوة والعمل والتحضر ، والخروج من الظلام العلمي والضلال الخلقي والفساد السياسي والانغلاق الحضاري والمعارك والحروب العبثية والهمجية الطاحنة .

الحقائق الكامنة في استقراء مفهوم الهجرة :

تنكشف الحقائق الكامنة في استقراء مفهوم الهجرة ، بالوقوف عند نماذج واضحة من الهجرات الثورية الكبرى في التاريخ الإنساني والعربي خصوصاً ، شكلت هجرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم واحدة من القضايا البحثية العميقة التي توقف عندها المفكرون في قراءاتهم لتاريخ التحول الذي مرت به شبه الجزيرة العربية والعالم الإسلامي لاحقاً ، ومن هؤلاء المفكرين محمد عابد الجابري ، وعلي شريعتي ، وجواد علي ، وهشام جعيط وغيرهم .

يؤكد هشام جعيط أهمية الهجرة ومحورية دورها في كتابه ” في السيرة النبوية – مسيرة محمد في المدينة وانتصار الإسلام ” . فيقول : ” إن عمر بن خطاب ، منظم الفتح العربي وأحوال الفاتحين ، حدد بداية التقويم بالهجرة ، هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ، باعتبارها إذناً لبداية العصر الإسلامي الجديد ( 622 بعد عيسى المسيح عليه السلام ) إلى ذلك جرى تأشير لنظام تراتبي لمنح الأموال الناجمة عن الفتوحات الخارجية ، بمؤشرات المشاركة في المآثر النبوية الكبرى ، على امتداد مراحلها ” ويستكمل فيقول : ” ففي هذا التراتب الجديد للأمور يجري تغيب المرحلة المكية ، لكن ليس على مستوى السلطة السياسية العليا ، لأن المهاجرين القرشيين ، صحابة الفترة الأولى ، هم الذين ورثوا الخلافة المقامة بعد وفاة النبي ” .

ويقارن جعيط بين المرحلة المكية وما تلاها من مرحلة الهجرة إلى المدينة بقوله : ” يمكن بلا ريب أن نعارض مرحلة المدينة بمرحلة مكة ، الموسومة بدعوة سلمية ، إذ كانت العناصر الأساسية تنامي التنزيل وإرادة الإقناع ، كما أنه من المؤكد أن النبي صلى الله عليه وسلم ، الساعي دوماً إلى جعل جميع العرب يعترفون بدينه ، تعين عليه الاعتقاد بأن الإقناع قد لا يجدي نفعاً ، وأنه ينبغي الاعتماد على وسائل هذا العالم ، عالمه العربي ، خصوصاً ، الذي لم يكن يفهم سوى لغة موازين القوى ” .

وتتأكد هذه الرؤية مع ما طرحه المفكر الألماني ماكس فيبر ( 1864 – 1920 ) في قراءته التحليلية الاجتماعية لمشروع النبي محمد صلى الله عليه وسلم وثورته الدينية ، إذ أطلق على مرحلة المدينة المنورة للدين الإسلامي ، مفهوم ” الإسلام      المحارب ” ، الأمر الذي يثبت العلاقة بين صناعة القوة واختيار الهجرة ، فما حققته هجرة المسلمين الأوائل ، لم يكن ليتحقق لو بقي المسلمون في مكة ، وقارعوا سلطة القبيلة والمال التي قادتها زعامات مكة .

أبعاد الهجرة وآثارها  :

كانت رحلة الهجرة النبوية حدثاً مليئاً بالفوائد والعبر ، وفيها من الدروس والعبر ما لا يكاد يحيط به الحصر أو يستوعبه بيان ، ونكتفي بالإشارة إلى الأبعاد الكبرى :

أولاً : درس التجرد والإخلاص لله تعالى : وهو أهم درس نتعلمه من هذا الحدث الكبير ، لأنه فعل الهجرة ليس بالأمر السهل والبسيط ، لأن فيه تركاً للأموال والدّور والأبناء والأحبة وللغالي والنفيس من أجل رسالة الإسلام أي من أجل الله ومن أجل رسوله صلى الله عليه وسلم ، وهنا وقف الرسول الكريم لكي يؤكد على مضمون الهجرة ومقاصدها العالية بقوله في الحديث الصحيح ” إنما الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئ ما نوى ، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه ” .

ثانياً : درس اليقين والثقة بوعد الله تعالى : وهذه القيمة كانت بارزةً في هجرة النبي صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر الصديق رضي الله عنه الصاحب والرفيق الأمين القوي ، وخاصةً عندما أدركهما الكفار عند الغار فقال أبو بكر للنبي صلى الله عليه وسلم : ” لو نظر أحدهم أسفل قدميه لرآنا ” فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم واثقاً وموقناً بوعده ونصرته ” يا أبا بكر ! ما ظنك باثنين الله ثالثهما ” فصنع عند أبي بكر الصديق استشعار قيمة معية الله تعالى للمؤمن الصادق الناصر للحق القائم على الخير ، فأنزل الله قرآناً يتلى إلى يوم القيامة يقول فيه الله تعالى ” ثَانِىَ ٱثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِى ٱلْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا ” ، هذه الآية ينبغي أن تكون شعاراً للمسلم الرسالي والرباني في وجه التحديات والصعوبات التي يجدها في حياته ، ينبغي أن يستحضر معية الله تعالى ونصرته وحفظه للمؤمنين ، يتوكل على الله تعالى ويجتهد في التخطيط المحكم والأخذ بالأسباب الدنيوية .

ثالثاً : درس النصرة والأخوة الإيمانية الصادقة : ومن بين الأهداف الاستراتيجية للهجرة هي البحث عن أنصار للدعوة الإسلامية ، يقومون بحمايتها وإقامة رسالتها والإسهام في نشرها في الآفاق والدفاع عنها عند الأخطار والكروب ، فكان للأنصار دور كبير في التمكين للدين ونصرة المؤمنين ، فالمدينة أصبحت مركزاً لدولة الإسلام ومنطلقاً لقيمها وأحكامها ومهداً لحضارتها الراشدة ، لذا سمي أهل يثرب بالأنصار لأنهم نصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقامة دين الإسلام .

الخاتمة :

وفي نهاية المطاف أقول : إن الهجرة النبوية محطة عظيمة من محطات الأسوة والقدوة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ، فيها من الدروس والأبعاد ما يعدّ أساساً لكلّ بناء وتغيير حضاري في مستقبل الإسلام ، وقد كان لها أعظم الأثر على المجتمع    الناشئ ، حيث انتقل من صورة التجمع الجاهلي على مجرد النسب والتراب والصيد إلى التجمع على إعلاء عقيدة وحمل رسالة ونصرة أعظم قضية في الأرض .

وإن احتفاء المسلمين بالهجرة لهو تجديد للعهد الذى قطعوه على أنفسهم بالتمسّك بشرع الله فى كل صغيرة وكبيرة ، وأنّ من أجلّ الجهاد في عصرنا دفع الشبهات عن معالم الإسلام وعقائده وأحكامه ، والتصدي لأولئك الذين يشوهون صورته ويفترون عليه وينسبون إليه ما ليس منه .

* كاتب وباحث أكاديمي – جمهورية الهند .

[1] مجلة فكر وفن ، عدد 102 ، ص 6 .

[2] سورة التوبة : 40 .

[3] الجريدة الرسمية الجزائرية ، عدد 15 ، مارس 2009م .

[4] الجريدة الرسمية المغربية ، عدد 5160 ، نوفمبر2003م .

[5] مصطفى السباعي ، السيرة النبوية : دروس وعبر ، ص 45 .

[6] السيرة النبوية ، لابن هشام ، 3/31 .