الفقه الحنفي ومنهجه في الاستنباط

الصحابي عكاشة بن محصن رضي الله عنه دراسة تاريخية إسلامية حول دخوله في الهند
مارچ 1, 2020
دور الحديث النبوي صلى الله عليه وسلم في توسعة نطاق الأدب العربي
جولائی 25, 2020

دراسات وأبحاث :

الفقه الحنفي ومنهجه في الاستنباط

( الحلقة الأولى )

الشيخ خالد سيف الله الرحماني *

تعريب : د . محمد شاهجهان الندوي

تمهيد :

إن الفقه الحنفي أكثر شيوعاً وانتشاراً في العالم ، لاتزانِه واعتدالِه ، ورعايتِه للحاجات الإنسانية ، وانسجامِه مع العقل الإنساني السليم ، وتوفيقِه بين النصوص والمصالح ، ومراعاتِه لروح الشريعة ومقاصدها ومراميها ، واجتنابِه من الجمود الذي لا مبررَ له على الظاهر ، واحترامِه للحرية الشخصية ، وموافقتِه الشديدةِ لمُتَطَلَّبَاتِ المَدَنِيةِ والحَضارة ، وسلوكِه مع الأقلياتِ غيرِ المسلمة سلوكاً عادلاً .

أصحاب الرأي وأصحاب الحديث :

ما هو منهج الاستخراج والاستنباط من الحديث في الفقه الحنفي ؟ يجب لإدراكِه أن لا يغيبنَّ عن البال أنه استَمَرَّت مدرستانِ فكريتانِ للاستنباط من الكتاب والسنة من البداية ، إحداهما : مدرسة الذين كانوا يَعتَنُونَ أشدَّ الاعتناءِ بحفظ الحديث وروايته ، ويأخذونَ ظواهِرَ النُّصوص ، ويُفكِّرُونَ في النصوص من ناحية الإسناد والرواية .

وثانيتُهما : مدرسةُ الطائفةِ التي اشتدَّت عنايتُها باستنباط الأحكام من القرآن والحديث ، وكانت تغوص في المعاني والمقاصد بدلاً من الاقتصار على المفهوم الظاهر لألفاظ الحديث ، وكانت تَختبر الروايات في ضوء القرائن الخارجية كذلك . وأُطلِقَ على الطائفة الأولى    ” أصحابُ الحديث ” ، وعلى الطائفة الثانية ” أصحابُ الرأي ” ، فهذا اللقب كان موجباً للمدح عند المتقدمين ، ولم يكن موجباً للذم عندهم ، كما يَفهم بعضُ قِصارِ النظر في الوقت الحاضر .

وقد كان الإمام أبوحنيفة النعمان بن ثابت الكوفيّ ( ت : 150هـ/767م ) والإمام مالك بن أنس ( ت : 179هـ/795م ) مِن بين الأئمة الأربعة أشدَّ استحقاقاً لهذا اللقب ، ولذا يُوجَدُ التقاربُ كثيراً بين فقه الحنفية والمالكية ، مع أنَّ طبيعةَ الإمامِ مالك نفسِه كانت أقربَ إلى أصحاب الحديث ، ولكنَّ أستاذه ربيعةَ كان مِن أصحاب الرأي ، ولذا يطلق عليه على سبيل المدح والتكريم : ” ربيعة الرأي ” ، وقد بَلغَ بالإمام أبي حنيفة الذكاءُ والفَطاَنةُ إلى أن أطلقَ الناسُ عليه : ” أعقل أهل    الزمان ” ، و ” أعلم أهل الزمان ” ، ومِن هُنَا عُدَّ مِن أصحاب الرأي .

والحقُ أنَّ طوائفَ ” أصحابِ الرأي ” وأصحابِ الحديث ” كانت موجودةً منذ عهد الصحابة ، فقد كان عمر ( ت : 23هـ/644م ) ، وعلي ( ت : 40هـ/661م ) ، وعائشةُ ( ت : 58هـ/678م ) ، وعبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ ( ت : 32هـ ) ، وعبدُ اللهِ بنُ عباسٍ ( ت : 68هـ/687م ) – رضي الله تعالى عنهم – وغيرُهم في عِدَادِ أصحابِ الرأي ، بينَمَا كان أبو هريرة ( ت : 59هـ/678م ) ، وعبد الله بنُ عمرَ ( ت : 73هـ ) – رضي الله تعالى عنهما – وغيرُهما من أصحابِ الحديث . ولا أدلَّ على ذلك مِن المناقشاتِ التي جَرَت بين الصحابة –رضي الله تعالى عنهم – . وعلى سبيل المثال :

  1. روى أبو هريرة – رضي الله تعالى عنه – أنه قال : سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول : توضؤوا مما مست النار ” [1] .

ورَدَّ عليه ابن عباس – رضي الله تعالى عنهما – فقال : يا أبا هريرة ! أنتوضأ من الدُّهنِ ؟ أنتوضأ من الحَميم [2] ؟

ويَزِيدُهُ وضوحاً ما ذكره الإمامُ السرخسي ، شمسُ الدين أبو بكر محمد بن أبي سهل الخزرجي الأنصاري ( ت : 490هـ ) – رحمه الله تعالى – : ” قال ابن عباس : أرأيتَ لو توضأتَ بماءٍ سُخْن أكنتَ تتوضأ منه ، أرأيتَ لو ادَّهَنَ أهلُك بِدُهنٍ فادهنتَ به شاربك أكنتَ تتوضأ  منه ” [3] .

  1. روى أبو هريرة – رضي الله تعالى عنه – كذلك ، عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال : ” من حمل جنازةً فليتوضأ ” [4] .

فرد عليه ابن عباس – رضي الله تعالى عنهما – قائلاً : ” أيَلزَمُنَا الوضوءُ عن حملِ عِيدان يابسة ” [5] .

  1. جاء في رواية عن أبي هريرة – رضي الله تعالى عنه – قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – : ” ولد الزنا شر الثلاثة ” [6] .

وردت السيدة عائشة – رضي الله تعالى عنها – عليه ، وقالت : كيف يصح هذا ؟ وَاللَّهُ عَزَّوَجَلَّ ، يَقُولُ : ( وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ) [7] .

فلا شك أنَّ منهجَ استنباطِ أبي هريرة – رضي الله تعالى عنه – يدلُّ على طريقةِ التفكير التي يُمَثِّلُهَا ” أصحابُ الحديث ” ، التي يوجد فيها الاقتصارُ على ظواهر النصوص ، وتُمَثِّلُ طريقةُ السيدة عائشة – رضي الله تعالى عنها – ، وعبدِ الله بن عباس – رضي الله تعالى عنهما – طريقةَ الاجتهاد والتفكير التي يَتَّسِمُ بها ” أهلُ الرأي ” ، والتي يوجد فيها التعمقُ والتفكير والغوصُ في المعاني والحقائق ، ومِن هُنَا يَنسَجِمُ فقهُ الإمام أبي حنيفة –رحمه الله تعالى – مع آراء عمر ، وعلي ، وعبد الله بن مسعود – رضي الله تعالى عنهم – انسجاماً كبيراً ، وإن جُمِعَت فتاوى أولئك الصحابةِ ، فلعلَّ العَشر في المأة من مسائل الفقه الحنفي لا تَخرج عنها . وبما أنَّ الفقه المالكي أيضاً استفادَ استفادةً كبيرةً من آراء عمر –رضي الله تعالى عنه – وفتاواه ، فلا يوجد فيه كذلك الميلُ إلى الظاهرِ ، والحرفيةِ كعامَّةِ فقهاءِ الحجاز – والله تعالى أعلم – .

الأسلوب الخاص للحنفية في باب قبول الحديث ورده :

يَمتاز منهجُ استدلالِ الفقه الحنفي أنه لا يُرَاعَى فيه مجردُ كونِ الرُّواةِ ثِقاتٍ بشأن قَبُولِ الحديث ورَدِّهِ ، وترجيحِ النصوص المتعارضة بعضِها على البعض ، بل تُعَارُ فيه القرائنُ والشواهدُ الخارجيةُ أهميةً خاصةً ، كما تَمَّ فيه وضعُ سندِ الحديث على مِحَكِّ أصولِ الرواية ، واختبارُه في ضوء ذلك ، كذلك تَمَّت فيهِ مراعاةُ مُقتَضَيَاتِ الدراية في باب قَبولِ متنِ الحديث وردِّهِ ، ويَجدُرُ بي أن أذكرَ بعضَ الأمور المُهمةِ بهذا الصَّدَدِ فيما يلي :

(1) موافقة المتن للقرآن الكريم :

من البين الجلي أنَّ كلَّ حرفٍ من حروف القرآن الكريم نصٌ قطعيٌ ، وفوقَ كل شكٍ وشبهةٍ من حيث ثبوته ، وليس في الأحاديث ما يَثبُتُ بهذه الدرجة من الصحةِ والقوة إلا الأحاديثُ المتواترة ، ولذا تُعتَبَرُ موافقةُ الحديث للقرآن الكريم وعدمُ موافقتِه له ، سبباً رئيسياً لقبول الحديث وعدمه ، تُدَبِّجُ يراعةُ الإمام السرخسي ، شمس الدين أبي بكر محمد بن أبي سهل الخزرجي الأنصاري ( ت : 490هـ ) – رحمه الله   تعالى – : ” إذا كان الحديث مخالفاً لكتاب الله تعالى فإنه لا يكون مقبولاً ولا حجةً للعمل به ، عاماً كانت الآية أو خاصاً ، نصاً أو ظاهراً عندنا على ما بينا أن تخصيصَ العام بخبر الواحد لا يَجوز ابتداءً ، وكذلك تركُ الظاهرِ فيه والحملُ على نوع من المجاز لا يَجوز بخبر الواحد عندنا خلافاً للشافعي ” [8] .

ولأجل ذلك قد يكون حديثٌ صحيحاً من ناحية السند في بعض الأحيان ، ولكن يُؤَوَّلُ فيه على أساس القرآن المجيد ، ويُحَدَّدُ له محمِلٌ حتى لا يبقى تعارضُه مع القرآن الكريم ، وعلى سبيل المثال : روت فاطمةُ بنتُ قيس – رضي الله تعالى عنها – أن النبي –صلى الله عليه وسلم –  قال : ” لاَ نَفَقَةَ ولا سُكْنَى لِلْمَبْتُوتَةِ ” [9] .

ولكن يُعارِضُ هذا الحديثُ من حيث الظاهر الآيةَ السادسة من سورة الطلاق التي جاء فيها : ( أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ . . . . . وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ) . ( الطلاق : 6 ) . ولأجل ذلك يرى الحنفيةُ أن حديثَ فاطمة حادثةٌ استثنائية ، وأنه تجب نفقةُ المطلقة بائنةً كانت أو رجعيةً . كما جاء في ” تنوير الأبصار ” وشرحه : ” وتجب لمطلقةِ الرجعي والبائن ” [10] .

وقد تُقبَلُ بعضُ الروايات وإن كانت ضعيفةً من ناحية السند ؛ لأنها توافقُ القرآنَ الكريم من حيثُ المعنى ، كما أنه رُوِيَ عن عبد الله بن عباس – رضي الله عنهما – : قال : ” من جَمَعَ بين صلاتين من غير عذْر فقد أتى باباً من أبواب الكبائر ” [11] .

ومدار هذه الرواية على حنش بن قيس ، وهوضعيف [12] .

ولكن تؤيده في الجملة الآيةُ القرآنية : ( إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا ) . ( النساء : 103 ) . فالصلاة مفروضة فرضاً ثابتاً في أوقات معلومة ، فَتُؤَدَّى في أوقاتِها المحدَّدةِ ، فهذه الروايةُ مقبولةٌ من حيث المعنى عند الحنفية .

وقد استُخدِمَ استخداماً كثيراً هذا المَبدأُ عند الأحناف في ترجيح الأحاديث المتعارضة ، فتُرَجَّحُ الروايةُ التي هي أشد موافقةً وقرباً من القرآن الكريم من حيث معناها ومحملها ، فلو فكرنا في معظم المسائل الشهيرة المتعلقة بأحكام الصلاة – التي اختلفت فيها آراءُ الحنفية وفقهاءِ الحجاز – لوجدنا أن وجهة نظر الحنفية تَعتمِدُ على هذا المبدأ ، فخذ على سبيل المثال : مسألة : ” قراءة سورة الفاتحة خلف الإمام ” ، فقد رَوَى عبادةُ بن الصامت – رضي الله عنه – أن رسولَ الله – صلى الله عليه وسلم – قال : ” لا صلاةَ لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب ” [13] . فيَثبت وجوبُ قراءةِ سورةِ الفاتحة للمأمومين بعموم هذا الحديث . هذا ، وفي جانب آخر ، قال الرسول الكريم – صلى الله عليه وسلم – : ” إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا ، وإذا قرأ فأنصتوا ” [14] .

فهاتان الروايتان متعارضتان من حيث الظاهر ، لكن رجَّح فقهاءُ الحجازِ بصفةٍ عامةٍ الروايةَ الأولى ، وأوجبوا قراءةَ الفاتحةِ في الصلوات السرِّيةِ ، وأوجب بعضُهم –كالشافعي – قراءةَ الفاتحة في الصلوات الجهرية أيضاً ، وجعلها البعضُ مشروعةً على الأقل . بينما رجَّحَ الحنفية الحديثَ الثاني ؛ لأنه يُطابِقُ قول الله تعالى : ( وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) . ( الأعراف : 204 ) . وجَعلوا الروايةَ الأولى تتعلَّقُ بالمنفرد والإمام .

وخذ مسألة ” آمين ” كذلك ، فقد رُوِيَت روايةُ الجهر بـ ” آمين ” ، وروايةُ الإسرار بـ ” آمين ” كلتا الروايتينِ بصراحةٍ عَن وَائِل بن جُحر – رضي الله تعالى عنه – ، فَرَوَى شعبةُ روايةَ الإسرار بآمين ، ورَوى سفيانُ روايةَ الجهر بآمين [15] .

لكن رجَّحَ الحنفيةُ روايةَ شعبة ؛ لأنه لا يُوجَدُ اختلافٌ في أن ” آمين ” دعاءٌ ، وأرشد القرآن المجيدُ إلى أن من آداب الدعاء أن تَنشأَ في القلب كيفيةُ المسكنة والعَجزِ ، وأن يكونَ الصوتُ خفياً ، فقد قالَ عزَّ مِن قائلٍ : ( ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ) . ( الأعراف : 55 ) .

ومما لا شك فيه أنَّ الحنفية قد استعملوا مبدأَ قَبولِ الحديث وعدمه ، أو الترجيحِ بين الروايات المتعارضة على أساس موافقته للقرآن الكريم ، ولكن لا ينبغي أن يُفهَمَ أن هذا المبدأ مخترعٌ مِن قِبَلِ    الأحناف ، وهم متفردون به ، بل سلَّمَ به الآخَرونَ من أهل العلم كذلك بصفةٍ مبدئيةٍ ، حيثُ تُدَبِّجُ يراعةُ العلامة السيوطي ، عبد الرحمن بن كمال الدين أبي بكر بن محمد سابق الدين خضر الخضيري               ( 849هـ/1445م – 911هـ/1505م ) : ” وقال أبو الحسن ابن الحصار في ” تقريب المدارك على موطأ مالك ” : قد يعلم الفقيه صحةَ الحديث إذا لم يكن في سنده كذاب بموافقة آية من كتاب الله ، أو بعضِ أصول الشريعة ، فيَحمِلُه ذلك على قبوله والعمل به ” [16] .

وتوجد أمثلةٌ كثيرةٌ من هذا النوع في كتب الحديث ، وعلى سبيل المثال : إنَّ الروايةَ المتعلقة بصلاةِ الحاجةِ المرويةَ عن عبد الله بن أبي أوفى – رضي الله تعالى عنه – ضعيفةٌ مِن ناحية السند ، حيث انتقَدَ على هذا الحديث الإمامُ الترمذي بالكلمات التاليةِ :

” قال أبو عيسى : هذا حديث غريب ، وفي إسناده مقال ، فائد بن عبد الرحمن يُضعَّفُ في الحديث ” [17] .

لكنَّ جميعَ الفقهاءِ سلَّمُوا بهذا الحديثِ في ضوءِ قولِه عزَّ مِن قائلٍ : ( وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ) . ( البقرة : 45 ) ، فيما يَغلِبُ على الظن .

بل إن الذين كان يطلقُ عليهم أصحابُ الرأي في عهد الصحابة أنفسِهم ، مع استغنائهم عن التحقيق في سند الحديث ، استخدموا هذا المبدأ وجَعلُوه مِحَكًّاً لقبول بعض الأحاديث وردها ، فلم يَقبل عمرُ – رضي الله تعالى عنه – روايةَ فاطمة بنت قيس التي سبق ذكرها بشأن نفقةِ المطلقةِ البائنةِ وعدتِها حين بَلَغَتهُ [18] . وقال : ” لا نَدَعُ كتابَ ربنا وسنةَ نبينا – صلى الله عليه وسلم – بقول امرأةٍ لا نَدرِي لعلها حَفِظَت أم    نَسِيَت ” [19] .

وردت السيدة عائشةُ – رضي الله تعالى عنها – الروايةَ الشهيرة :   ” إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ ” [20] ، واحتجَّت بهذه الآية من القرآن الكريم : ( وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ) . ( الأنعام : 164 ) [21] .

وإن كان أكثرَ الحنفيةُ مِن مراعاةِ هذا المبدأ في اجتهاداتهم واستنباطاتهم ، ولكن يَتفق عليه جميعُ أهلِ العلم بصفةٍ مَبدئية في   الواقع .

(2) موافقة الحديث لقواعد الشريعة :

يمكن أن يقال بشأن منهج استدلال الحنفية أن موافقةَ الروايات وعدمَ موافقتها لقواعد الشريعة تَحتَلُّ أهميةً كبيرةً في قبول الروايات أو رفضِها عندهم ، فالرواية التي توافق طبيعةَ الشريعة العامةَ ومذاقَها وأصولها وقواعدها تُقبَلُ في بعض الأحيان رَغمَ الضعف في السند ، وتُرَدُّ بعضُ الروايات والأحاديث رغم كونها قويةً من ناحية السند ، لأجل أنها تُخَالِفُ أصولَ الشريعةِ العامةَ ومبادِئَهَا المُعتَرَفَ بها من ناحيةِ مضمونِها ومتنها ، حيث يَكتب القاضي أبو زيد الدبوسي عبد الله بن عمر بن عيسى الحنفي ( ت : 430هـ/1039م ) : ” الأصل عند أصحابنا أن خبر الآحاد متى ورد مخالفا لنفسِ الأصول لم يُقبَل عند أصحابنا ” [22] .

ولا يخفى أن هناك مسائلَ كثيرةً لدى الحنفية تَنطبِقُ على هذا المَبدأ من حيث الظاهر ، كنجاسةِ أزبالِ الحيوانات وفَضَلاِتها ، وعدمِ انتقاض الوضوء من مس المرأة ، أو الفرج ، وعدمِ وجوب ثلاثة أحجار في حالة الاستنجاء بالأحجار ، وسلوكِ طريقِ التأويل والتوجيه بدلاً مِن العمل بظاهر الحديث في مسألة بيع المصرَّاة ، وما إلى ذلك من المسائل التي يبدو فيها تأثيرُ هذه القاعدة .

وقد استفاد الحنفيةُ مِن هذا المبدأ بشأن ترجيح الأحاديث المتعارضة ، كالروايات المتعلقة بصلاة الكسوف ، فقد رُوِيَ فيها ركوعٌ واحدٌ إلى خمسةِ ركوعات في ركعةٍ واحدةٍ ، فالجمهورُ رجَّحَ بالنظر إلى قوة السند الرواية التي ذُكِرَ فيها ركوعان ، ورجَّح الحنفيةُ الرواياتِ التي تُؤمِي إلى ركوع واحد ؛ لأنَّ هذا أوفقُ بالكيفية العامة للصلاة .

ولعلَّ المالكية هم الذين أكثروا من استخدام هذا المبدأ بعد الحنفية ، فقد سلَّط العلامة الشاطبي أبو اسحاق إبراهيم بن موسى ( ت : 790هـ/1388م ) الضوءَ على ذلك بما يلي ناقلاً عن ابن العربي المالكي     ( ت : 543هـ ) :

” إذا جاء خبر الواحد معارضاً لقاعدة من قواعد الشرع ؛ هل يجوز العمل به ، أم لا ؟ فقال أبو حنيفة : لا يجوز العمل به ، وقال الشافعي : يجوز ، وتردَّدَ مالك في المسألة ” .

قال : ” ومشهورُ قولِه والذي عليه المُعَوَّلُ أن الحديث إن عَضَدَتهُ قاعدةٌ أخرى قال به ، وإن كان وحده تركه ” [23] .

والواقع أن رعاية هذا المبدأ كثيرةٌ عند الحنفية والمالكية ، ولكن لا ينبغي أن يُفهَمَ أن المحدثين لم يعيروه أهميةً بالكلِّيةِ ، بل نَجِدُ عند الإمام البخاري ( ت : 256هـ/870م ) بنفسِه عدةَ أمثلةٍ أنه قدَّمَ القواعد العامةَ للشريعة على أخبار الآحاد ، وكم مِن روايةٍ نقل الإمام الترمذي وجعَلَ سندها ضعيفاً ، ومع ذلك كتبَ أنَّ عليها العملَ عند أهل العلم ، وروى رواياتٍ وصحَّحَها ووثَّقَها ، ولكن مع ذلك اعترف بأن العمل ليس عليها عند أهل العلم .

ومِن هنا قال العلامة السخاوي شمس الدين أبو الخير محمد بن عبد الرحمن ( ت : 902هـ/1497م ) كلاماً مبدئياً : ” وعلى كل حال فالتقييد بالإسناد ليس صريحاً في صحة المتن ولا ضعفه بل هو على الاحتمال ” [24] .

ثم أضاف قائلاً : ” وكذا أورد الحاكم في مستدركه غيرَ حديثٍ يَحكم على إسناده بالصحة ، وعلى المتن بالوهاء لعلةٍ أو شذوذ ، إلى غيرهما من المتقدمين ، وكذا من المتأخرين كالمزي حيث تكرر منه الحكمُ بصلاحية الإسناد ونكارةِ المتن ” [25] .

( للبحث صلة )

* الأمين العام لمجمع الفقه الإسلامي ، بالهند ، رئيس المعهد العالي الإسلامي ، حيدرآباد ، بالهند ، عضو مجمع الفقه الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي ، بمكة المكرمة .

[1] أخرجه مسلم ، رقم 352 ، ج 1 ، ص 272 ، بيروت ، دار إحياء التراث العربي ، ترقيم وتحقيق : محمد فؤاد عبد الباقي ، عدد الأجزاء : 5 .

[2] أخرجه الترمذي في سننه ، رقم 79 ، ج 1 ، ص 114 ، بيروت ، دار إحياء التراث العربي ، تحقيق : أحمد محمد شاكر وآخرون ، عدد الأجزاء : 5 ، بإسناد حسن .

[3] السرخسي ، أصول السرخسي 1/340 ، ط : 1 ، بيروت ، دار الكتب العلمية ، 1414هـ – 1993م .

[4] أخرجه أحمد ، رقم 9862 ، بلفظ ” مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا ، فَلْيَغْتَسِلْ ، وَمَنْ حَمَلَهُ ، فَلْيَتَوَضَّأْ ” ، بإسناد حسن ، وأخرجه أحمد ، رقم 7689 ، وأبو داود ، رقم 3162 ، والترمذي ، رقم  993 ، وابن ماجة ، رقم 1463 ، وابن حبان ، رقم 1161 بإسناد حسن ، بلفظ : ” مِنْ غُسْلِهَا الْغُسْلُ ، وَمِنْ حَمْلِهَا الْوُضُوءُ ” ، واختلف في رفعه ووقفه ، ففي البخاري في ” التاريخ   الكبير ” 1/396 – 397 ، جعله الراوي موقوفاً على أبي هريرة . وذكر ابن أبي شيبة عن عثمان قال : ” من حمل جنازةً فليتوضأ ” ، رقم 12001 ، ج 3 ، ص 47 ، ط : 1 ، الرياض ، مكتبة الرشد ، 1409هـ ، تحقيق : كمال يوسف الحوت ، عدد الأجزاء : 7 .

[5] السرخسي ، المبسوط 13/35 ، بيروت ، دار الفكر ، ط : 1 ، تحقيق : خليل محي الدين الميس ، 1421هـ – 2000م .

[6] أخرجه النسائي في الكبرى ، رقم 4930 ، ج 3 ، ص 178 ، بيروت ، دار الكتب    العلمية ، ط : 1 ، 1411هـ – 1991م ، تحقيق دكتور عبد الغفار سليمان البنداري وسيد كسروي حسن ، والحاكم في المستدرك ، رقم 2853 ، وصححه ووافقه الذهبي ، وأبو داود ، رقم 3963 ، ج 4 ،  ص 29 ، بيروت ، دار الفكر ، تحقيق : محمد محيي الدين عبد الحميد ، عدد الأجزاء : 4 ،  بإسناد صحيح .

[7] الزركشي ، بدر الدّيْن مُحَمَّد بْن بَهَادر ، الإِجَابَةُ لإِيْرَادِ مَا اسْتَدْرَكَتْهُ عَائِشَةُ عَلَى الصَّحَأبَةِ ، ص 119 ، ط : 1 ، بيروت ، المكتب الإسلامي ، 1358هـ – 1939م ، التخريج : د . عصمت الله ، عدد الأجزاء : 1 .

[8] السرخسي ، أصول السرخسي 1/364 ، ط : 1 ، بيروت ، دار الكتب العلمية ، 1414هـ – 1993م .

[9] أخرجه البخاري ، رقم 5325 – 5326 ، ط : 1 ، دار طوق النجاة ، 1422هـ ، ومسلم ، رقم 1480 ، ترقيم : محمد فؤاد عبد الباقي .

[10] التمرتاشي ، تنوير الأبصار مع الدر المختار 3/609 ، بيروت ، دار الفكر ، 1386هـ ، عدد الأجزاء : 6 .

[11] أخرجه الترمذي ، رقم 188 ، ج 1 ، ص 356 ، بيروت ، دار إحياء التراث العربي ،  تحقيق : أحمد محمد شاكر وآخرون ، عدد الأجزاء : 5 ، وقَالَ أَبُو عِيسَى الترمذي : وَحَنَشٌ هَذَا هُوَ أَبُو عَلِىٍّ الرَّحَبِىُّ وَهُوَ حُسَيْنُ بْنُ قَيْسٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ ضَعَّفَهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ .

[12] راجع : الذهبي ، شمس الدين محمد بن أحمد ( ت : 748 ) ، ميزان الاعتدال في نقد الرجال 2/303 ، بيروت ، دار الكتب العلمية ، 1995م .

[13] أخرجه البخاري ، رقم 756 ، ومسلم ، رقم 394 .

[14] أخرجه مسلم ، رقم 404 ، ج 1 ، ص 303 ، بيروت ، دار إحياء التراث العربي ، تحقيق : محمد فؤاد عبد الباقي ، عدد الأجزاء : 5 . وأخرجه النسائي عن أبي هريرة – رضي الله تعالى عنه – ، ج 2 ، ص 141 – 142 ، رقم 921 – 922 ، ط : 2 ، حلب ، مكتب المطبوعات الإسلامية ، 1406 – 1986 ، تحقيق : عبدالفتاح أبو غدة ، عدد الأجزاء : 8 ، وصححه الألباني .

[15] راجع : سنن الترمذي 2/27 ، رقم 248 ، بيروت ، دار إحياء التراث العربي ، تحقيق : أحمد محمد شاكر وآخرون ، عدد الأجزاء : 5 .

[16] السيوطي ، تدريب الراوي 1/68 ، الرياض ، مكتبة الرياض الحديثة ، تحقيق : عبد الوهاب عبد اللطيف ، عدد الأجزاء : 2 .

[17] سنن الترمذي 2/344 ، بيروت ، دار إحياء التراث العربي ، تحقيق : أحمد محمد شاكر وآخرون ، عدد الأجزاء : 5 .

[18] أي : ” لاَ نَفَقَةَ ولا سُكْنَى لِلْمَبْتُوتَةِ ” ، أخرجه البخاري ، رقم 5325 – 5326 ، ط : 1 ، دار طوق النجاة ، 1422هـ ، ومسلم ، رقم 1480 ، ترقيم : محمد فؤاد عبد الباقي .

[19] أخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده 5/224 ، رقم 2366 ، ط : 1 ، المدينة المنورة ، مكتبة الإيمان ، 1412 – 1991 ، تحقيق : د . عبد الغفور بن عبد الحق البلوشي ، عدد الأجزاء : 5 . وراجع : سنن الدارمي 2/ 218 ، رقم 2274 ، ط : 1 ، بيروت ، دار الكتاب العربي ، 1407هـ ، تحقيق : فواز أحمد زمرلي ، خالد السبع العلمي ، عدد الأجزاء : 2 ، وأيضاً : البيهقي ، السنن الكبرى 7/475 ، رقم 15508 ، مكة المكرمة ، مكتبة دار الباز ، 1414 – 1994م ، تحقيق : محمد عبد القادر عطا ، عدد الأجزاء : 10 .

[20] أخرجه البخاري ، رقم 1286 ، ومسلم ، رقم 927 .

[21] أخرجه الإمام البخاري في الجنائز ، رقم الباب : 32 ، رقم الحديث 1288 .

[22] الدّبوسيّ ، تأسيس النظر ، ص 77 ، بيروت ، دار ابن زيدون ، عدد المجلدات : 1 ، عدد الصفحات : 178 .

[23] الشاطبي ، الموافقات 3/201 ، ط : 1 ، القاهرة ، دار ابن عفان ، 1417هـ/1997م ، تحقيق : أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان ، عدد الأجزاء : 7 . وراجع : ابن العربي ،      ” القبس في شرح موطأ مالك بن أنس ” ، 2/812 –813 ” . وأيضاً : أبو زهرة ، الإمام مالك ، ص257 .

[24] السخاوي ، فتح المغيث شرح ألفية الحديث 1/90 ، ط : 1 ، بيروت ، دار الكتب العلمية ، 1403هـ ، عدد الأجزاء : 3 .

[25] المصدر نفسه ، 1/91 .