العلاّمة أبو ريحان البيروني ومآثره العلميّة

أتبين دينيه ( قبل الإسلام ) ناصر الدين دينيه ( بعد الإسلام ) ( الحلقة الرابعة الأخيرة )
جولائی 31, 2021
دور الصحابي الجليل كعب بن زهير وغيره من كبار الشخصيات في مجال الأدب العربي الإسلامي
جولائی 31, 2021

رجال من التاريخ :

العلاّمة أبو ريحان البيروني ومآثره العلميّة

الدكتور المفتي محمد شرف عالم *

كانت للهند حضارة عريقة منذ أقدم الزمن ، ولها مكانة سامية مرموقة في مجالات مختلفة ، ومن ذلك الفنون الجميلة واللغات المختلفة ، ومنها اللغة العربية ، ولقد ساهم أبناء الإسلام الهنود بعد وصول أشعّة الإسلام إلى ربوعها وجوانبها إسهاماً كبيراً في مجال اللغة العربية   وآدابها ، وقاموا بخدمات جليلة في علوم اللغة العربية وفنونها المختلفة ، وأضافوا إلى تراثها العلميّ والأدبيّ إضافةً ثمينةً نالت قبولاً عاماً في الأوساط العلمية والأدبية ، وكانت لهم ميزات باهرة فاقوا بها أقرانهم ، وبلغوا ذروة الكمال وقمّة الفخر وعَنان المجد .

وجاء العهد الغزنوي ، وكانت اللغة الفارسيّة لغة الأتراك ، فقد دخلت هذه اللغة بلاد الهند كلغة رسميّة بجانب اللغة العربية ، وبقيت اللغة العربية لغة العلوم الدينية والعلوم الأخرى مثل الطبّ ، والهندسة ، والهيئة ، والرياضيات ، والفلسفة ، والمنطق وما إلى ذلك ، واشتهر في هذا العهد مسعود بن سعد اللاهوريّ ، وله ثلاثة دواوين بثلاث لغات : العربية والفارسية والهندية ، وذاع صيت دواوينه باللغة العربية واللغة الهندية في ربوع الهند وما جاورها من البلدان حتى في الأقطار العربية ، ولكن ديوانه باللغة الفارسية يتداول بين أيدي الناس ، ومن العلماء البارزين الذين زاروا الهند ، وأقاموا بها زماناً وأحبوها وجابوا أرجاءها ، وفهموا حضارتها بدقة ، العالم الطبيعي الشهير أبو ريحان البيروني .

ولد أبو ريحان محمد بن أحمد عام 362هـ – 973م في بلدة بيرون الواقعة في جنوب بحر آرال في إقليم خوارزم الفارسيّ بتركستان ، وتركستان حالياً في وسط آسيا ، وكان وليدَ بيئة فارسيّة ، نشأ نشأةً متواضعةً ، وشبّ عاشقاً للطبيعة ، وقد دفعه هذا العشقُ إلى جمع الزهور والنباتات من كلّ مكان .

وصارت اللغة الفارسيّة وقتئذ لغة الكلام والاتصال ، وكانت اللغة العربيّة لغة العلوم والآداب ، فاضطرّ لدراسة ما كان فيها من    علوم ، فتفوّق في اللغة العربيّة وآدابها حتى أخذ يقرض الشعر بالعربية .

وكان العلاّمة البيروني منذ نعومة أظفاره يرغَب في التفكّر والتأمّل في الطّبيعة ، وكانت تُبهِره الزهور ، والأشجار ، والنباتات ، والجبال ، والوُديان ، والأنهار ، والكواكب ، والنجوم ، فيقضي ليلَ نهارَ في رسم النباتات ، والأشجار ، وجمع ما يستطيعه من المعلومات   عنها ، حتى التقى بأحد علماء اليونان ، وكان لقاء البيروني بهذا العالم بدايةَ رحلة العلم الشاقّة الطويلة الباهرة .

وإذا كانت الصراعات السياسيّة قد بدأت في النشوب والاحتدام ، وأخذت النزاعات بين أمراء خوارزم تشتدّ ، حتى خشي الناسُ والعلماءُ على أنفسهم ، وأحسّ البيروني بأنّ حياته ومستقبله مهددان للخطر ، فقرر الفرار بنفسه من جحيم الخصومات السياسيّة ، حتى لا يصبح من ضحاياها ، وسافر إلى مدينة ” الري ” بالقرب من طهران ، ومضت هناك عدّة سنوات ، وعاد إلى خوارزم ، حيث كانت الأوضاع السياسية قد استقرت وهدأت ، ثمّ سافر إلى مدينة ” بُخارى ” ، وتقرب بالملك المنصور الثاني ، وفرِح الملكُ بنبوغه في علم النباتات والجغرافيا والرياضيات والفلك والطبيعة ، وضمّه إلى مجلس علماء بلاطه .

وكان البيروني يتحدّث في مسائل الطبيعة ، ويشرح ويعلل تمدّدَ المعادن بالحرارة ، ويحدد الفارق بدقّة متناهية بين درجة حرارة الماء البارد والماء الساخن ، ويتحدث في الجيولوجيا عن شرح كيفيّة تكوّن الآبار والينابيع المائية والصخور ، وضغط السوائل وتوازنها .

ولمّا احتلّ السلطان محمود الغزنويّ بلاد خوارزم ، قدم العلامة البيروني إلى بلاطه ، ثمّ جاء إلى الديار الهنديّة الواسعة الأرجاء ، واستقرّ فيها عدّة سنوات ، وتلقّى اللغة السنسكريّة ، وأخذ من حكماء الهند من علومهم وفنونهم ، وشاهد بقوّة تفكيره الحضارةَ الهنديّةَ ، وقام بتأليف كتابه الشهير عن الهند ، وهو كتاب ” تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة ” ، وهذا الكتاب أهم وأوسع كتاب وصلنا في وصف عقائد الهندوسيين ، فقد قضى أربعين عاماً في الهند يدرس شرائعهم وعاداتهم في أنكحتهم وأطعمتهم وأعيادهم ، ونظم حياتهم ، وخصائص لغتهم ، يقول كارل بروكلمان عن هذا الكتاب : ” أهم ما أنتجه علماء الإسلام في ميدان معرفة الأمم ” ، فيُعدّ نسيجَ وحده في الأدب العربّي ومعرفة الحضارة الهندوسية والهند القديمة .

وكان من أشهر العلماء في مجال التاريخ أيضاً ، وأبرز العلماء المعاصرين الذين لهم حظّ وافر في خدمة العلوم الإسلامية واللغة العربية وآدابها ، وكان رحّالةً ، وجغرافيّاً ، ومؤرّخاً ، وعالماً طبيعيّاً ، وفلكيّاً ورياضيّا ، ومترجمًا للحضارة الهنديّة ، وبالإضافة إلى ذلك كانت له مهارة فائقة في لغات كثيرة من العربيّة والفارسيّة والسنسكريتيّة واليونانيّة والعبرية والسريانيّة ، وكان واسعَ الاطلاع على العلوم ومولعاً بالقراءة والتأليف ، وعاكفاً على تأليف الكتب مع الإحاطة التامّة بما فيها ، فلا يفارق يدَه القلم ، ولا عينه النظر ، ولا عقله التفكير ، إلاّ في يومي النيروز والمهرجان لإعداد ما تمسّ إليه الحاجة من زاد ومتاع .

كان العلاّمة البيروني من أوائل علماء الأمّة الإسلاميّة الذين اتخذوا البحث والتجربة مصدراً لتحصيل المعارف ، وكان وسيلة قويّة من أقوى وسائل الاتّصالات بين الثقافتين : ثقافةِ الهند ، وثقافة العرب والمسلمين ، فصارت الثقافة الهنديّة من أهمّ الروافد التي زوّدت الثقافة العربيّة الإسلاميّة بكثير من الأفكار الفلسفيّة ، والطبيعيّة ، والرياضيات ، والقصص ، والحكم العربيّة ، فقد التزم البيروني في البحث تفتيش الأمور ، وتحقيق الأشياء بعقله ، والاهتمام باعتماد الوسائل الضروريّة ، فعندما سنحت له الفرصة لزيارة بلاد الهند ، استحثته رغبته الشديدة في معرفة الأشياء على دراسة اللغة السنسكريتيّة ، لكى يتسنّى له الوصول إلى منابع الحضارة الهنديّة .

قضى العلاّمة البيروني حياته كلّها في طلب العلم ، وفي آخر عمره هاجمته الأمراضُ ، وثقُل سمعُه ، وضعُف بصرُه ، واعتزل عن محافل العلماء ، واعتكف في داره ثماني سنوات ، لكنّه لم يتوقّف لحظةً عن البحث والتأليف ، وكان رغم ضعف بصره يُملِي على تلاميذه بعضَ الكتب التي قام بتأليفها في تلك الفترة ، وكان في مرض وفاته ، فدخل عليه صديق له في منزله يعوده ، وكان بينه وبين الوفاة لحظات أو أقلّ ، وسأل صديقَه عن إرث الجدّة الفاسدة ، فقال صديقه رحمةً عليه : أفي هذه الحالة ؟ فأجاب : يا هذا ! أودّع الدنيا وأنا عالم بهذه المسألة ، ألا يكون خيراً من أن أتركها وأنا جاهل بهذه المسألة ، حتى حفِظها ، ويخرج صديقه من عنده ، وهو في الطريق ، وسمع صوتَ الصياح الشديد عليه .

ويُعرف القرن الحادي عشر بعصر البيروني ، وإنّه أعظم عظماء الإسلام ، وأكثر الفلكيين ذكاءً ، وأوسعُهم علماً ، واسمه أبرزُ الأسماء في مواكب العلماء الكبار الذين يمتاز بهم العصر الذهبي للإسلام .

وقد تنقّل البيروني بين الكثير من الدول والبلدان ، وقَدَر على إتقان عدّة لغات ، والاطلاع على ثقافات وعلوم مختلف الشعوب ، ونقلِ عدد من المؤلفات إلى اللغة العربية وعكسها .

ومن عبقريات البيروني تمكنه من الرياضيّات ، والهندسة ، وحساب الزوايا والمثلّثات ، وعلوم الطبيعة من قياس الوزن النوعي لعدد كبير من العناصر الطبيعة والمعادن ، والجيولوجيا وتكوينِ الأرض والزلازل والبراكين ، والتاريخ من وصف البلدان والأقاليم والأقطار وطبيعتها ، وعن الديانات والشعوب وعاداتها وتقاليدها وأفكارها وعقائدها .

قام العلاّمة البيروني بتأليف كتب علميّة قيّمة كثيرة في موضوعات مختلفة ، ووضع الكثير من الرسائل في مختلف مجالات المعرفة ، وقد بلغت أعماله المؤلفة المعروفة ما يقارب مأة وثمانين كتاباً ، وقد تنوّعت أعمال البيروني وتباينت موضوعاتُها لتشمَلَ : الفَلَك ، والطبّ ، والصيدلة ، والجغرافيا ، والنبات ، والتاريخ ، ومن أشهرها ما يأتي :

  1. كتاب الآثار الباقية عن القرون الخالية ، وهو من أهمّ كتبه ، وأكثرها شهرةً ، ويحتوي على تاريخ نظم الجماعات والطوائف المختلفة وعقائدهم وتقاليدهم .
  2. كتاب تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة ، وهو أهم وأوسع كتاب وصلنا في وصف عقائد الهندوكيين ، وشرائعهم ، ونظم حياتهم ، وعاداتهم في أنكحتهم وأطعمتهم وأعيادهم ، ونظم حياتهم ، وخصائص لغتهم .
  3. القانون المسعوديّ ، ألّفه لمسعود بن محمود بن سبكتغين ( محمود الغزنوي ) في سنة إحدى وعشرين وأربع مأة . حذا فيه حذو بطليموس في المجسطي ، وهو من الكتب المبسوطة في هذا الفن .
  4. كتاب باتانجل ، وعنوانه جوكا سوترا ، وهو من أقدم المصادر في اليوغا والتصوف الهندي .
  5. كتاب الصيدنة ( الصيدلة ) وألّف في أواخر حياته كتاباً سمّاه  ” الصيدنة في الطبّ ” ، وهو في الثمانين من عمره قبل وفاته في عام أربعين وأربع مأة للهجرة ( 440 ) ، وهو من آخر مؤلفاته ، وذكر أسماء الأدوية التي يحتاجها الصيادلة والأطباء في أعمالهم وأوصافهم وأماكن وجودها في أنحاء العالم ، وقد تحدّث عدد كبير من الكتّاب شرقاً وغرباً عن هذا الكتاب ، واعتبروه من المراجع المهمّة القيّمة في الصيدلة والطبّ ، وعلوم النبات ، وقام العلامة البيروني بوصف كلّ نبات على حدة وصفاً دقيقاً ، ثمّ تكلّم عن الخواصّ الطبيّة لكلّ نبات ، ومنافع النبات ومضارّه .
  6. كتاب الجماهر في معرفة الجواهر ، كتاب قيّم وغني بالمعلومات عن الأحجار الكريمة ، ويصف فيه الكاتب الأحجار الكريمة بكلّ دقّة وتفصيل من حيث الصفات والعيوب وأماكن وجودها ومنافعها وكيفية إصلاحها وجداول أسعارها في البلدان والأزمان .
  7. كتاب التفهيم في التنجيم .
  8. كتاب الأسطرلاب .
  9. كتاب الاستيعاب للوجوه الممكنة في صناعة الأسطرلاب ، وهو غير كتاب الأسطرلاب المتقدم ذكره .
  10. كتاب الكسوف والخسوف على خيال الهنود ، وسمّاه كتاب الكسوفين عند الهنود .

وممّا يجدر بالذكر أنّ البيروني لم ينقل من الهنديّة إلى العربيّة فقط ، وإنّما نقل من العربيّة إلى الهنديّة . ومن ذلك كتاب المجسطي لبطليموس .

واتفق جميعُ رجال البحث على أنّ تراثه العلميّ كان أعجوبة الأعاجيب من حيث كمّه وكيفه .

المراجع والمصادر :

  1. عبد الحي الحسني العلامة : نزهة الخواطر وبهجة المسامع والنواظر : الجزء الأول ،ط مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية حيدر آباد ، الدكن ، الهند ، 1972م .
  2. غلام علي آزاد البلكرامي : سبحة المرجان في آثار هندوستان : ط معهد الدراسات الإسلامية ، جامعة علي كراه الإسلامية ، علي كراه ، 1976م .
  3. ياقوت الحموي : معجم الأدباء ، دار الفكر ، بيروت ، 1400هـ – 1980م .
  4. غلام علي آزاد البلكرامي : خزانة عامرة ، ط كانفور ، 1971م .
  5. محمد العوفي : لبّ الألباب ،ليدن ، 1903م .
  6. حسن برني السيد : البيروني ،علي كراه ، 1972م .
  7. علي أحمد الشحات : أبو الريحان البيروني ، دار المعارف ، القاهرة ، 1968م .
  8. أبو الفتح محمد التونسي : كتاب البيروني ، مؤسسة دار التحرير للطبع والنشر، دمشق ، 1386هـ – 1967م .
  9. محمد جمال الغندي وإمام إبراهيم أحمد : أبو الريحان محمد بن أحمد البيروني ، دار الكتاب العربي للطباعة والنشر ، القاهرة ، 1968م .
  10. البيروني : أبو الريحان محمد بن أحمد ، تحقيق ما للهند ، ط مجلس دائرة المعارف العثمانية ، حيدر آباد الدكن ، الهند ، 1377هـ – 1958م .
  11. قدري حافظ طوقان : تراث العرب العلمي في الرياضيات والفلك ، دارالقلم ، القاهرة ، 1382م – 1963م .
  12. محمد كامل حسين وآخرون : المؤجز في تاريخ الطب والصيدلة عند العرب ، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، جامعة الدول العربية ، غير مؤرخ .

* الأستاذ المساعد بقسم اللغة العربية ، جامعة مولانا آزاد الوطنية الأردية ، حيدرآباد .