الصحة والنجاح والقوة

المنهاج الذي رسمه الله لهذه الأمة
مارچ 1, 2020

الدعوة الإسلامية :

الصحة والنجاح والقوة :

تداعيات وغايات

كتبه : الأستاذ جيمس إيلين *

تعريب : شائق علي داور

إذا كان لدى الإنسان إيمان بالله وطهارة خالصة رافقته الصحة والنجاح والقوة ، فإذا انعكست فيه ملامح هاتين الصفتين لم تتسرب إليه أدواء بدنية وفشل وهزيمة ولم تجد إليه  سبيلاً .

كلّما زدنا شعوراً بهذا الجانب زدنا صحةً وعافيةً ، ويصاب بالمرض من قصَّر فيه ، ويفتح له  باب المرض إلى جسده وعقله ، ومن ينال القوة والإخلاص والفكر الإيجابي الذي يعطيه من القوة تعود إليه الصحة والحياة ، ولا يتمكن منه المرض .

وإن كان لك نصيب من الغضب والهم والغم والطمع والحالة العامة المتنافية للفكر ، وأنت تريد  الصحة البدنية في كل معنى الكلمة ، فأنت تروم وجود شيئ صعب المنال ، لأنك تكسب المرض وتبذر بذره في قلبك ، فالعاقل يلتمس التخلص من هذا النوع من الأمراض العقلية    تماماً ، وهو يعلم بما فيها من ضرر أشدّ من قناة متقذرة أو بيت متهدم ، يوشك أن ينهدم .

فإن كانت عندك أمنية ، لئلا يصاب بك مما يؤلمك ويوجعك ، وأن تتمتع بطمأنية الروح واستراحة البدن ، فيجب عليك أن تراجع عقلك ، وتتميز بميزة الاتزان والاعتدال ، ويمكنك أن تخوض في ذكريات عطرة طيبة من المذكرات الحسنة والمودّة والمحبة ، وأن تتناول إكسير المكارم والألفة لإيداعه في العروق ، كي لا تلجأ إلى دواء آخر، وأن تهجر الحسد والشك والكراهة والأثرة ، ولا تكن نُصب عينك المصالح الشخصية ، وعلاوة على ذلك يجب عليك أيضاً أن تتخذ الدواء من سوء الهضم داء الكبد والجزع والفزع والألم بالمفاصل ، وأن تخضع لهذه العادات السيئة القبيحة عقلاً ، فلا تشك ما يصاب بك من السقوط في البدن .

وكثير من الناس يبكون على ضعفهم ، ويرون أن سببه يرجع إلى الأعمال المتعبة المتضاعفة ، بغض النظر عن الحقيقة التي تدل على أن الضعف البدني ينتج كثيراً عن إنفاق القوة في غير محلها ، وإن كنت تحب أن تدوم لك الصحة ، فطريقها هو مزاولة العمل وممارسته بدون تذبذب ، فإن الحيرة والذهول والاهتمام بما لا يعنيه يخلق لك من عدم الصحة ما لا يُتصور، وإنما العمل سواءً كان نفسياً  أو جسدياً مفيد في كلتا الحالتين ، لمن كان في إمكانه أن يتصف بثبات وسكوت    مستمر ، وأن يكسب استقلاله من القلق والاضطراب ، والهموم  والأحزان ، لأن  من يعكف على عمله غيرَ مبال بمثل هذه الأمور من الثبات والصحة ، ليس بأفضل ممن يكون عاجلاً  قلقاً في عمله ، لكنّه يراعي صحته ، التي هي نعمة يفقدها الكثير .

فالصحة الحقيقية والنجاح الحقيقي يسيران معاً ، لأنهما جزءٌ لا يتجزأ منهما ، وبالقوة الإيمانية يتم كل عمل وإن كان جسيماً ، وإن الإيمان بالقادر المطلق والإذعان للقوانين المحكمة والثقة بما يوجد في بدنك من القوة والعمل ، من الأمور التي تثبّتُ قدميك على القيام بأي  عمل ، فهناك مجال لا بدّ لك من أن تبني عليه بناءً ، إذا أردت أن ترتشف من العلوم شيئًا ، وأن تستقيم ولا تعوجّ ، فكن واثقًا بنفسك وبصوت الضمير مهما كانت الظروف والأحوال ، وصادقًا في كل عمل ديني ، ومستضيئًا بنور قلبك ، وملبياً دعوته ، وقُم لغرضك المنشود دون أن تركب الخوف والقلق ، معتمدًا بأنّ المستقبل ينير كل ما أظلم من بصيرتك من حصائد الفكر والسعي ، وعالمًا بأن قوانين الدنيا  لن تبوء بالفشل ، وأنّ ما تزرعه تحصده في كل معنى الكلمة ، هذا هو    الإيمان ، الإيمان القيم الخالد ، وكذلك بالقوة الإيمانية تعفو رسوم الريبة وتتصدع منها جبال الحوادث والمصاعب ، فتمر بها الروح الإيمانية آمنةً وسالمةً ، فكرّس – يا تُرى – قصارى جهدك في أخذ ما يفوق كل شيئ ، أي الثروة القيمة للإيمان الخالص ، لأنها تميمة تنفع بالفرح ، والنجاح والأمن ، والقوة ، ووصفة تفيد كل ما يسعد الحياة ولا تصادف الشقاء فتصبح هذه الثروة الإيمانية أساسًا متينًا خالدًا تؤسس عليه أساسك ، كما أنها أرفع وأكرم من ادخار المال وحياة الترف والبذح ، لأن هذه الأشياء والثروات القيمة تصير إلى التراب ، واستقم على إيمانك وإن كنت تُلقَى في وسط الدجنة الحالكة من الهموم والأحزان أم في وسط الطريق المؤدي إلى ذروة السعادة والهناء ، والجأ إليه فإنه كحصن حصين ، وثبّت قدميك على البناء الخالد ، وحافظ على إيمانك تحفظ من الدسائس وتحظ بالسلطة الروحية التي تحطم جميع الطواغيت لتعود حيلتها وبالاً عليها ، وستناول ما لم يتمكن من نيله من يسعى وراء المادّة ، ولا يخطر بباله ولا يحلمه .

فإذا تحليت بهذا الإيمان فلا تفكر فيما يأتيك به الغد من الفتح أو الهزيمة ستلقى النجاح ، فلا تقلقك حصيلة الإنتاج كعملك ، بل يجب عليك أن تمارس العمل فرحاً آمناً مطلعاً على أن الأفكار الإيمانية تأتي بنتائج مفيدة في أقرب وقت .

إن نجاحك وهزيمتك وسلطتك وحياتك ، كل ذلك رهين جهدك وسعيك ، فإن القوة التي تصوغ أفكارك من العناصر التي تقدر حظك ، فاختر من الأفكار إيجابها ، وإخلاصها ، وفرحتها ، وروحها ، تجد رعاية الناس ودعاءهم ويسودك جوّ من الطمأنينة والسكنية ، وإن تخلقت بأخلاق رذيلة كالنفاق ، والكراهة تتسرب إليك الوحشة والخوف ، وينتظرك القلق بفارغ الصبر .

إن حظك في يدك بدون قيد ولا شرط ، سواء كان ذلك العقاب أم حسن العاقبة ، ولكل لمحة تبذله من آثارٍ تنفعك أو تضرك ، وكوّن قلبك جواداً سخياً ، متعففًا ، عظيماً طيباً ، فسلطتك ونجاحك يرافقك ، ولو كان ذلك على حساب المال ، وإن كنت تنفق أموالك في المصالح الشخصية ، ولو كانت لديك سلطات وثروات فلا تكادُ تعود إليك بأحسن فائدة لك .

إذاً استشعرِ الإخلاص والعاطفة البريئة ، وعوِّد الطهارة والإيمان ، وسارع إلى غاية واحدة ، واطّلع على ما في نفسك من العناصر التي تصل بك إلى قمة التقدم ، وعافية البدن وصحة الجسم ، والفوز الكبير ، بل إلى عظمة القوة وأثر السلطة .

وإذا كان عملك مهماً بالغ فيه جهدك وركز عليه عنايتك وبادر إليه حتى يبلغ منك الإعياء مبلغه ، وإنّ إتمام عمل ضئيل على أحسن وجه يهديك إلى أعمال جسيمة ، وحينئذٍ تصادف الرقي والتقدم والازدهار ، دون أن تضعف وتضعضع ، هذا هو سرُّ القوة الحقيقية ، وتعلَّم القصد والاتزان في الإنفاق بجهد متواصل وسعي دؤوب ، وتعلَّم الأمانة في العمل الذي نيطَ بك ، فإنّ الغبي البليد يضيع مواهبه العقلية وكفاءاته الروحية فيما لا يعنيه وفي اللهو واللعب ، وما تصلح به حياته وعيشه فقط ، وما إلى ذلك من أفعال خبيثة يصعب علي بيانها .

وإن كنت تريد أن تكون لك قوة غالبة فطريقها اتخاذ الاعتدال في العقل والأخذ بالهدوء النفسي واكتساب الاستقلال المالي في حياتك ، واعلم أن القوة الإنسانية ترتبط بالثبات ، فإن الجبال الشامخة والصخور الغليظة ، وشجرة ” بلوط ” المواجهة للأعاصير تنبئنا بالقوة ، وبما تشتمل عليه من الصمود والثبات الذي لا ينهزم ، وتأليف شملها المجمّع ، هذا في جانب ، وفي جانب آخر تعبر الرمال المتحولة والغصون المتحركة والقصبة المهتزة عن مدى علاقتها بالضعف والوهن ، لأن الأشياء المتحركة لا تعرف الثبات ، وإن فصلت وميزت فلا تحمل الفائدة إذن ، فإن القوي الشجاع حازم قوي الشكيمة ، صعب المراس ، وساكت في حين يجري فيه أصحابه في بعض مجرى النزعات والعواطف .

ومن لا يملك نفسه ولا يحكم عليها لا يمكن أن يكون ملِك العالم ، ويحكم على قلوب العباد والبلاد ، فإياك والخوف واللامبالاة والهستيريا وغير ذلك من الأشياء التي تحتاج إلى قرينها ، فدعها تبحث عن صاحبها ، لأنّها إذا لم تجدها ماتت لقلة الحماية والمصاحبة ، وعليك بالتجلد والصمت والتفكير والهدوء ، وإن كنتَ في وحدة الغابات والصحراء وتسلّقت ذروة الجبال ، واتخذت القوة التي تضيف إلى قوتك ، كذلك تستطيع أن تغير مجرى النفس ، وتزاحم بمنكبيك دوامة تبلع خلقاً كثيراً ، واعلم أن الانفعال ليس بقوة ، بل هو لعنة ومشتِّت للقوة ، وهو كطوفان يطير بكل صخرة ثابتة بشدة ووحشة ، والقوة كصخرة صامدة صامتة في كل حين وآن .

وإن لم تكن عندك هذه القوة فاكسبها بتمرينات متتابعة ، واعلم أن نموّ القوة كنموّ العقل ، فعليك أن لا تطيع هواك ، ولا تتبع الشهوات التي تتغلغل في شغاف قلبك ، وتجتلب لبك ، وجنب نفسك من القهقهة والضحك بصوت عالٍ ، والاتيان بالبهتان في مجلس الأحاديث والحكايات والمزاح لإنشاء بيئة فكاهية فقط ، لأن هذه الأشياء تضيع نعمة قواك .

عين هدفك وقدِّم أمامك عرضاً واحداً ، بشرط أن يكون مباحاً مفيداً ، ولا تدخر وسعاً في أخذه ، ولا يكون شيئ عائقًا في سبيل ما تطمح إليه نفسك ، واعلم أن ذا الوجهين لا يفلح أبداً ، وعوِّد نفسك على طلب العلم ، واستعفف من السؤال ، وتجمل ، ولا بد أن يكون لديك علم تامٌ بما يتعلق بك من عمل ، وتدرّج فيه ، واتخذ باطنك رائداً على كل حال ، فلا يمكن صدور الخطأ ، وستلاقي الفتح بعد الفتح ، وتتدرّج إلى أنعم مكان وأرفع منزلة .

وسِّع نطاق فكرك دائمًا ، تنل الرغائب ، وتتبين لك ما يخفي من غاية الحياة وجمالها الحتمي ، وطهر نفسك تجد الصحة ، واحفظ إيمانك يكشف لك الفلاح ، واملك نفسك ، تملك الدنيا ، فتكون عاقبة كل عملك خيراً وأحسن كمالاً ، وأنقذ نفسك من أن تكون وحدة غير   مرتبة ، أشعث أغبر ، وأنْقذها من عبادة النفس إلى طمأنينة الروح ، تحت لواء أعظم قانون مع العيش الدنيوي والمتاع الأبدي ، ومهما تكسب من صحة تستمر بك ، ومهما تصب النجاح يواصلك ويتابعك ، ولا يخطر على بال بشر ، وسيبقى خالداً ولا ينفد ، فما تحظى به من أثر وقوة ستزيد ، ولا تنقص مدى حياتك ، لأن هذه الأشياء جزء من أصول الكون الخالدة التي تدعم أساسه .

هذي بعض أسباب وتداعيات في البقاء على الصحة ، وأمّا طهارة القلب ورزانة العقل فهما من أسرار النجاح ، ولا شك أن قوة الإيمان ، واختيار الحكمة في تعيين الهدف ، والغلبة على الهوى ، والإمساك بزمام الشهوات من أسرار القوة الجسدية .

[ مقتبس من الكتاب الإنجليزي المقرر في المناهج التعليمية للسنة الثالثة العالية من الشريعة والدعوة بدار العلوم لندوة العلماء ، لكناؤ ]

* جيمس ألين ( James Allen ) صحفي وكاتب أوسترالي ، ولد في 1806م في برمنغاهم في المملكة المتحدة ، وتوفي في 1886م عن عمر يناهز 80/ عاماً .