البلاغة والإعراب والبيان في القرآن الكريم ( أول سور الملك والقلم والحاقة )

واقع العالم الإسلامي
جنوری 2, 2022

التوجيه الإسلامي :

البلاغة والإعراب والبيان في القرآن الكريم

( أول سور الملك والقلم والحاقة )

بقلم : معالي الشيخ الدكتور راشد عبد الله الفرحان *

2 ( ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفُورُ ) .

ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ :

قدم الموت على الحياة ، قال في فتح الرحمن : لأنه هو المخلوق أولاً لقوله تعالى : ( وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ) .

وفيه إشارة إلى أن الإنسان يعيش في الحياة الدنيا الفانية ، ويبعث ليعيش في الآخرة الباقية .

3 ( ٱلَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً مَّا تَرَىٰ فِى خَلْقِ ٱلرَّحْمَـٰنِ مِن تَفَاوُتِ فَٱرْجِعِ ٱلْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ ) .

4 ( ثُمَّ ارجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ ) .

ارجِعِ البَصَرَ – ارجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ :

الآيتان تدلان على تكرار النظر إلى السماء والتفكر فيها ، وليس مرةً ولا مرتين ، وإنما هو للتكثير .

5 ( وَلَقَدْ زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِّلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ ٱلسَّعِيرِ ) .

البلاغة – الاستعارة التصريحية :

شبَّه الكواكب والنجوم ، وهما أجرام سماوية علوية بمصابيح  سراج ، وحذف المشبه وأبقى المشبه به .

8 ( تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِىَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ ) .

البلاغة – الاستعارة التصريحية :

شبه اشتعال النار وشدتها عليهم بالرجل المغتاط من عدوه على سبيل الاستعارة التصريحية .

16 ( أَأَمِنتُمْ مَّن فِى ٱلسَّمَآءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ ٱلأَرْضَ فَإِذَا هِىَ تَمُورُ ) .

مَّن فِى ٱلسَّمَآءِ :

الله تعالى منزه عن كل مكان ، فهو تعالى على عرشه ، وعرشه قد أحاط بالسماوات والأرض ، وإذا كان الكرسي وهو أصغر من العرش قد أحاط بالكون وبالسماء والأرض ، فكيف بالعرش العظيم ؟ نجنح في هذا إلى التفويض والتسليم .

مَّن فِى ٱلسَّمَآءِ :

( مَّن فِى ٱلسَّمَآءِ ) إشارة إلى عظم أجرام السماوات ، وأن ( مَّن ) فيها التي تشير إلى العاقل ممن يسكن السماء أن يهجم في يوم من الأيام على الأرض فيخسف بها أو يحدث إضراراً بها ، والله أعلم .

19 ( أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى ٱلطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ ٱلرَّحْمَـٰنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ ) .

البلاغة :

عطف الفعل على الاسم لما قال ( أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى ٱلطَّيْرِ فَوْقَهُمْ ) معناه أن الطير في الهواء كالسابح في الماء باسط ذراعيه ، وأما القبض فهو جزء من الطيران يستعين به الطير للارتفاع والانحطاط ، فجيئ بالفعل            ( يَقْبِضْنَ ) ، ولذلك عبَّر بالاسم عن الغالب ( صَافَّاتٍ ) .

22 ( أَفَمَن يَمْشِى مُكِبّاً عَلَىٰ وَجْهِهِ أَهْدَىٰ أَمَّن يَمْشِى سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ) .

البلاغة :

الاستعارة التمثيلية مثل ضُرب للمشرك والمؤمن بياناً لحالهما ، فالمشرك أعمى لا يهتدي إلى الطريق يتعبثر كلما مشى ، والمؤمن سليم البصر يمشي في طريق ، واضحة المعالم لا يضل ولا يعثر .

أول ن القلم

وسميت بذلك لورود كلمة القلم في أول السورة ، ونون كذلك في أولها .

1 ( نۤ وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ ) .

أقسم الله سبحانه بالقلم ، لما فيه من البيان ، وفيه إشارة إلى العلم ، وجوابه ( مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ) .

4 ( وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ ) .

البلاغة – الاستعارة :

الاستعارة في الحروف ( لَعَلَىٰ ) على حقيقتها تفيد الاستعلاء ، والرسول صلى الله عليه وسلم لا يستعلي في خلقه فوق البشر ، وإنما هو مجاز والاستعارة ، والتعبير بـ ( عَلَىٰ ) يفيد أن من يتخلق بالأخلاق الحميدة كأنه اتخذها مطيةً له يركبها تمشي به بين الناس .

16 ( سَنَسِمُهُ عَلَى ٱلْخُرْطُومِ ) .

عبَّر بذلك كنايةً عن الإذلال ، فالسمة على الوجه بالنار لا تجوز فما بالك على الأنف ؟

20 ( فَأَصْبَحَتْ كَٱلصَّرِيمِ ) .

البلاغة – التشبيه :

حيث شبهت بالبستان الذي صرمت ثماره لم يبق فيها شيئ ولا نفع مثل شجر الصريم .

42 ( يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ ) .

43 ( خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُواْ يُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ وَهُمْ  سَالِمُونَ ) .

البلاغة – الاستعارة التمثيلية :

في تعبير العرب : الكشف عن الساق يراد به اشتداد الهول وعظم الخطب ، والمراد باليوم يوم القيامة ، فكل من أراد عمل عملٍ شاق يكشف عن ساقه لكي لا يصيبه البلل في ملابسه .

والتنكير في قوله تعالى ( سَاقٍ ) للدلالة على أنه أمر مهم في الشدة خارج عن المألوف .

خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ – مجاز عقلي :

السر في نسبة الخشوع إلى الأبصار ، بسبب ظهور الأثر فيها ، فما في القلب يعرف من العين والوجه .

ٱلسُّجُودِ :

دعي الكفار إلى السجود في الدنيا فأبوا وهم سالمون ، وفي الآخرة يسجد الخلق كلهم لله ، ويبقى الكفار والمنافقون والملحدون ، يريدون أن يسجدوا فلا يستطيعون لأن أصلابهم تيبس ، فلا تلين . روى البخاري ومسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” يسجد لله كل مؤمن ومؤمنة ، ويبقى من كان يسجد في الدنيا رياءً فيذهب ليسجد فيعود ظهره طبقاً واحداً .

فالآية وردت مورد التوبيخ للكافر حيث لم يعبد الله في الدنيا مع سلامة بدنه وصحة جسمه .

45 ( وَأُمْلِى لَهُمْ إِنَّ كَيْدِى مَتِينٌ ) .

المجاز المرسل : حيث سمَّى إمهاله لهم وتمتعهم بالنعم في الدنيا وتأخير العذاب عنهم بالكيد ، والتعبير بالكيد من باب المشاكلة ( إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً . وَأَكِيدُ كَيْداً ) وكيد الله هو عقابه لهم .

سورة الحاقة

سميت بذلك لورود كلمة الحاقة في أول السورة .

1 ( ٱلْحَاقَّةُ ) .

2 ( مَا ٱلْحَاقَّةُ ) .

3 ( وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْحَاقَّةُ ) .

ٱلْحَاقَّةُ :

الحاقة : القيامة لأن الله سبحانه يحق الحق ، ( مَا ٱلْحَاقَّةُ ) استفهام ، معناه : تفخيم لشأنها ، ثم زاد في التهويل بأمرها ، فقال ( وَمَآ أَدْرَاكَ مَا  ٱلْحَاقَّةُ ) ، أي أنك لم تعاينها ولم تدركها .

6 ( وَأَمَا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ ) .

صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ :

لم يقل صرصرة كما قال : عاتية ، فالريح الصرصر : الشديدة الصوت والعصف لما له من صرصرة ، وقيل الباردة ، فالصرصر وصف مختص بالريح ، فأشبه حائض وطامث وحامل .

7 ( سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى ٱلْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَىٰ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ ) .

البلاغة – المجاز المرسل :

حسوماً جمع حاسم كشهود وشاهد ، أرسل الله سبحانه عليهم الريح طيلة هذه المدة مستمرة تقتلهم بالحصباء ، وتحسمهم أي تفنيهم      ( فَتَرَى ٱلْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَىٰ ) .

11 ( إِنَّا لَمَّا طَغَا ٱلْمَآءُ حَمَلْنَاكُمْ فِى ٱلْجَارِيَةِ ) .

البلاغة – استعارة تمثيلية :

هذه الاستعارة من باب استعارة المعقول للمحسوس للاشتراك في أمر معقول .

13 ( فَإِذَا نُفِخَ فِى ٱلصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ ) .

14 ( وَحُمِلَتِ ٱلأَرْضُ وَٱلْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً ) .

15 ( فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ ) .

يَوْمَئِذٍ :

كيف ذلك مع أن النفخة الأولى هي نفخة الصعق ، وما جاء في الآية التالية من العرض .

18 ( يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لاَ تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌ ) .

والجواب : المراد باليوم الوقت الواسع الذي تقع فيه النفختان وما بعدهما .

20 ( إِنِّى ظَنَنتُ أَنِّى مُلاَقٍ حِسَابِيَهْ ) .

ظَنَنتُ :

قال الزمخشري في الكشاف : ” إنما أجري الظن مجرى العلم لأن الظن الغالب يقام مقام العلم في العادات والأحكام ، ويقال : أظن ظناً كاليقين أن الأمر كيت وكيت ، ( ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُواْ رَبِّهِمْ ) موقنون ، وقد يأتي الظن للشك وهو تساوي الطرفين ، وقد يأتي للطرف المرجوح    ( وَإِنَّ ٱلظَّنَّ لاَ يُغْنِى مِنَ ٱلْحَقِّ شَيْئاً ) النجم .

35 ( فَلَيْسَ لَهُ ٱلْيَوْمَ هَا هُنَا حَمِيمٌ ) .

36 ( وَلاَ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ ) .

غِسْلِينٍ – ضَرِيعٍ – طَعَامُ ٱلأَثِيمِ :

جاء في سورة الغاشية : ( لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ . لاَّ يُسْمِنُ وَلاَ يُغْنِى مِن جُوعٍ ) ، وجاء في الواقعة ( لآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ ) ، وجاء في الدخان ( إِنَّ شَجَرَةَ ٱلزَّقُّومِ . طَعَامُ ٱلأَثِيمِ ) ، لا منافاة إذ يجوز أن يكون طعامهم جميع ذلك ، أو أن العذاب أنواع ، والمعذبين متعددون ، فمنهم أكلة غسلين ، ومنهم أكلة الضريع ، ومنهم أكلة الزقوم ، ومنهم أكلة النار ، فكل جزء منهم مقسوم .

41 ( وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَّا تُؤْمِنُونَ ) .

42 ( وَلاَ بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ ) .

ختام الاية :

تُؤْمِنُونَ – تَذَكَّرُونَ :

ختم الأولى بقلة الإيمان ، والثانية بقلة التذكر ، قال الزَمخشري في الكشاف : ” القلة في معنى العدم أي لا تؤمنون ولا تذكرون البتة ، والمعنى ما أكفركم ، وما أغفلكم ” [1] .

فمن يقول عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه شاعر يعني أن القرآن كذب وشعر فهو كافر ، وهذا قول المشركين ، وإيمانهم بالله قليل جداً لإشراكهم معه غيره ، ومن يقول عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم بأنه كاهن ، فمعنى ذلك أن ما جاء به كهانة وكذب ،  والكاهن : هو الذي يزعم أنه يعلم الغيب ويأتي يحدث به قومه ، بما يخترعه من أباطيل ، ومثل هذا لو تذكر قليلاً ، وقارن ما يأتي به مع ما جاء به النبي محمد صلى الله عليه وسلم لانتبه إلى أن هذا القرآن من   عند الله .

*  وزير الأوقاف والشئون الإسلامية في دولة الكويت سابقاً .

[1] ج 4 ، ص 154 .