التربية الإسلامية : مميزاتها وأسلوبها

التربية على الشورى في الإسلام
دسمبر 11, 2019

بقلم : الأستاذ السيد محمد واضح رشيد الحسني الندوي

مميزات التربية الإسلامية :

العقيدة في التربية الإسلامية هي أساس التربية ، وعليها يتوقف نجاح الإنسان في حياته ومعاده ، وهي الوازع والحارس الأمين ، وهي كالعيون الساهرة ، والعقيدة في أساس تربية الأنبياء والرسل ، وهم قدوة التربية والتعليم ، ولم يفرد الإسلام العقيدة ، بل قرنها بالعمل الصالح ، والتواصي بالحق والصبر ، أي تجشم المصائب في الحياة من أجل القيم ومن أجل نزاهة الحياة ، وكرامة الإنسان ، وبذلك احتفظ الإسلام بكرامة الفرد ، وكرامة المجتمع ، فليس الإنسان الأمثل في التربية الإسلامية المواطن الذي يكسب قوته ، ويشبع نهامته ، بل الإنسان الصالح في نظر الإسلام هو المؤمن الصالح الذي يعرف فضل خالقه ، ويقضي حياته كما يحب خالقه ، ويعيش بين عباده كرجل صالح وعضو كريم من أعضاء الأسرة الإنسانية، يسعى إلى إسعاد البشرية جمعاء ، ليس إلى إسعاد نفسه فقط ، بل الإنسان الأمثل في نظر الإسلام هو الذي يضحى بسعادة نفسه ، بل سبيل إسعاد غيره .  وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ( الحشر : 9 ) ، وهنا تختلف التربية المادية عن التربية الإسلامية ، فالتربية المادية تربية الأثرة ، وتربية الإسلام هي تربية الإيثار والإخلاص في العمل .

تضع التربية الإسلامية كل شيئ في موضعه بطريق لا يرتجح جانب من جوانب النشاط الإنساني ، وبطريق تتزن نوازع الجسم والعقل والروح ، وتوجه الإنسان إلى أن يكون المثل الأعلى لغيره ، وترغب في أن يصعد الإنسان إلى الدرجات العلى ، فتشمل رعاية الإنسان في التربية الإسلامية على النشاطات الجسمية والعقلية والخلقية والاجتماعية والذوقية والروحية والوجدانية ، وتوجيه هذه النشاطات إلى غاية أسمى .

والفرد في نظر الإسلام هو مواطن مؤمن ، والمجتمع في الإسلام مجتمع مسلم تتحقق فيه عبودية الله وحده ، وتتحقق بتحقيقها فضائل الحياة الاجتماعية من تعاون وتكافل وتضامن ومحبة ، بدون فقدان المواهب والذاتيات والمقومات الشخصية ، وهنا بعض مميزاتها :

  1. إنها تربية لنفس الإنسان تتجه إلى الفضائل ، وتدعو إلى خير الإنسانية ، أفراداً ومجتمعات ، قال الله تعالى : يايُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوۤاْ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ ٱللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ( الحجرات : 13 ) ، وقال في موضع آخر : ياَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُواْ خَيْراً مِّنْهُمْ وَلاَ نِسَآءٌ مِّن نِّسَآءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ وَلاَ تَلْمِزُوۤاْ أَنفُسَكُمْ وَلاَ تَنَابَزُواْ بالأَلْقَابِ ، بِئْسَ ٱلاسْمُ ٱلْفُسُوقُ بَعْدَ ٱلإَيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ ( الحجرات : 11 ) .
  2. التربية الإسلامية تكتنف الحياة من جميع جوانبها ، فهي تتميز بالشمول والتناسب الدقيق .
  3. التربية الإسلامية تربية إنسانية ، تهتم بصيانة شرف الإنسان ومكانته ، وتوسع آفاقه ، وليست خاصة بأمة ولا بقوم .
  4. التربية الإسلامية تربي النوازع البشرية والدوافع وتقويها وتوجهها إلى مثلها الأعلى .
  5. التربية الإسلامية تربية التوافق ، والتعادل والتوازن ، وهي تراعي فروق طبائع الإنسان ، وتحترمها كقوله تعالى : فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ (البقرة : 194 ) ، وَإِنْ تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذٰلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ ( آل عمران : 186 ) .

ولا تتحقق آثار التربية الإسلامية إلا بالرجوع إلى القرآن والسنة ، وهما المصدران الرئيسيان ، لتوجيه الحياة العامة والقادة إلى هدف أسمى يبتغيه الإسلام ، وهي طاعة الله تعالى ، والاهتداء بهدي رسوله صلى الله عليه وسلم ، والعمل لإسعاد البشرية جمعاء ، بما وهبه الله تعالى كل إنسان من قدرات سواء كانت جسمية أو عقلية أو روحية وابتغاء وجه الله تعالى في كل عمل .

لقد قرن القرآن الكريم التربية بالتعليم ، فقال : هُوَ ٱلَّذِى بَعَثَ فِى ٱلأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِى ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ( الجمعة : 2 ) .

وقد أطلق القرآن الكريم لفظ الحكمة كذلك على الأخلاق والآداب ، والتلطف في الكلام والحكم ، فقال في موضع : ٱدْعُ إِلِىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بالْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بالْمُهْتَدِينَ ( النحل : 125 ) ، وقد دعا القرآن الكريم إلى الحكمة في الحياة كلها ، وإلى الإحسان ، واحترام كرامة الإنسان ، والعمل والجد والاجتهاد .

أسلوب القرآن في معالجة طبيعة الإنسان :

كان الكسب وإشباع الجنس من الغرائز الطبيعية للإنسان ، فتميل إليها طبيعة الإنسان بدون توجيه أو إغراء ، فاستعمل القرآن طريقاً مختلفاً في هذين الموضوعين ، فإنه حدد مواضع الكسب بالحلال ، وبحيث إنه لا يعوق ذكر الله ، لأنه هو المقصد الأول للإنسان ، وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ( الذاريات : 56 ) ، فقال وهو يصف الرجال الذين جمعوا بين الكسب وذكر الله . رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ      ( النور : 37 ) .

فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلاَةُ فانتَشِرُواْ فِى ٱلأَرْضِ وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( الجمعة : 10 ) .

وأكد القرآن على الإنفاق أكثر من الكسب ، لأن الكسب من طبيعة الإنسان ، فبيَّن مواضع الإنفاق وحث عليه لتطهير الأفراد والمجتمعات من حب المال ، والاستغلال والأثرة ، التي هي مصدر كل  بلاء ، وحب المال أساس لفساد المجتمع ، ووسيلة للاستغلال الطبقي .

ومثَّل تأكيد القرآن على الإنفاق واهتمامه بهذه الناحية ، أكد الحذر والاحتراس ، من إشباع الجنس ، فبين أخطار التطرف فيه ، فذكر المزالق وبيَّن الحدود .

وفي سورة الإسراء آيات تستحق أن تعتبر ميثاق الأخلاق والتربية ، وتبين مفهوم التربية القرآنية ، فقد شملت جميع نواحي الحياة الهامة ، وأشارت إلى سائر مواضع الضعف في الطبيعة وبيَّن حلولاً لها .

وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ٱلْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً وَٱخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ٱرْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِى صَغِيراً رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِى نُفُوسِكُمْ إِن تَكُونُواْ صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُوراً وَآتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَٱلْمِسْكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيراً  إِنَّ ٱلْمُبَذِّرِينَ كَانُوۤاْ إِخْوَانَ ٱلشَّيَاطِينِ وَكَانَ ٱلشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ٱبْتِغَآءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُوراً وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَّحْسُوراً إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً كَبِيراً وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلاً وَلاَ تَقْتُلُواْ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بالحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلاَ يُسْرِف فِى ٱلْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلاَّ بالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ ٱلْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً وَأَوْفُوا ٱلْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُواْ بالقِسْطَاسِ ٱلْمُسْتَقِيمِ ذٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ كُلُّ أُولـٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً وَلاَ تَمْشِ فِى ٱلأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ ٱلأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ ٱلْجِبَالَ طُولاً كُلُّ ذٰلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً ( الإسراء : 23 – 38 ) .

وتتلخص التربية القرآنية في ضوء هذه الآيات في الأمور الآتية :

  1. العبادة لله وحده .
  2. الإحسان إلى الوالدين ورعايتهما .
  3. الشعور بأن الله يعلم ما تكنُّ الصدور ، بذلك سدَّ منافذ الشر في السر ، ووضع الإسلام بهذا الشعور الذاتي ، حارساً يراقب الإنسان في السر والعلن .
  4. الإحسان إلى ذوي القربى ، والمساكين والغرباء ،وبذلك سد الإسلام منافذ الاستغلال من كل نوع .
  5. الاقتصاد في الحياة ، والدعوة إلى عدم التبذير ، وعدم الإمساك كلياً ، والشعور أثناء الكسب أنه من الله ، ومقدر منه ، ولذلك يجب كسبه وإنفاقه في السبل المشروعة .
  6. الاهتمام بتربية الأولاد ، لإنشاء مجتمع نزيه يتطابق مع القيم الإسلامية .
  7. التحذير من التطرف في إشباع الجنس . ( وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلاً ) لسد منافذ الانحلال الخلقي والاجتماعي .
  8. التحذير من قتل النفس بغير حق ، لتأمين الأمن الجماعي ، وصيانة حياة الإنسان ، وإنشاء مجتمع هادئ مكبٍّ على العمل وهادف .
  9. الحيطة في التصرف في مال اليتيم .
  10. إيفاء العهد .
  11. إيفاء الكيل .
  12. عدم التجسس في الحياة العامة ومنع الناس من الإرجاف .
  13. التحذير من التكبر ، والغطرسة ، والتعالي على الناس .

كُلُّ ذٰلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً .

وأي ميثاق لتربية الإنسان في الدول المتحضرة ، وأي نظام تعليم وتربية يستطيع أن يضاهي هذا الميثاق ، والتربية التي تبدأ بتقويم فكر الإنسان وتقويم سلوكه ، وعواطفه وتنمية صلاحياته ، وتوجيه حياته الفردية والاجتماعية ، وتحويل مساعيه إلى أهداف أنبل وأسمى من المصلحة الذاتية الضيقة ورفعه من الخنوع إلى تصور أرفع للحياة .

وكل من يدقِّق النظر في هذه الآيات القرآنية التي تتضمن الخطوط الرئيسية للتوجيه ، والتربية ، علاوة على الآيات الكثيرة التي في مواضع مختلفة في تعليم أدب الحياة وتربية خلق الإنسان ، وتكوين الإنسان المؤمن خليفة الله تعالى على الأرض ، والشاهد على خلق الله تعالى ، والذي خلق له هذا الكون ، فإن لم تعمه العصبية ، ولم تكن على عينيه غشاوة ، لشهد بأن التربية الإسلامية هي العلاج الوحيد لفساد كل مجتمع ، وخاصة فساد المجتمع الحاضر الذي استشرى فيه الفساد في كل مجال من مجالات الحياة .

قال النبي صلى الله عليه وسلم : ” بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ” ،  وقالت السيدة عائشة رضي الله عنها وهي تصف رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” كان خلقه القرآن ” ، وقال الله تعالى في القرآن الكريم : لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلآخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيراً    ( الأحزاب : 21 ) ، وقال : قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فاتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ( آل عمران : 31 ) .