البروفيسور فؤاد سيزكين : شخصية موسوعية

الشيخ محمد طلحة الكاندهلوي : شخصية ربانية
جنوری 2, 2020
منافع الجهد والجهاد على لسان الإمام أحمد بن عرفان الشهيد
مارچ 1, 2020

رجال من التاريخ :

البروفيسور فؤاد سيزكين : شخصية موسوعية

بقلم : العلامة الشيخ السيد محمد الرابع الحسني الندوي

تعريب : محمد فرمان الندوي

[ نظم معهد الدراسات الموضوعية بدهلي ( الهند ) ندوةً عالميةً ليومين في 23 – 24/ ربيع الثاني عام 1441هـ الموافق 21 – 22/ ديسمبر 2019م ، حول البروفيسور فؤاد سيزكين : حياته وخدماته ، كتب  بهذه المناسبة العلامة الشيخ السيد محمد الرابع الحسني الندوي ( رئيس ندوة العلماء العام ) كلمةً جامعةً حول : شخصية فؤاد سيزكين وجهوده العلمية ، كما أعد كاتب هذه السطور مقالةً حول إنجازاته ، واعتبره شخصيةً بارزةً في العلم والتحقيق ، وأرسل إلى سكرتارية الندوة ، ننشر هنا كلمة العلامة السيد محمد الرابع الحسني الندوي مترجمةً تعميماً لنفع القراء . قلم التحرير ]

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيد المرسلين ، وخاتم النبيين سيدنا محمد بن عبد الله الأمين ، وعلى آله وصحبه أجمعين ، وعلى من تبعهم بإحسان ، ودعا بدعوتهم إلى يوم الدين ، وبعد :

فقد أمر القرآن الكريم بالقراءة والكتابة في أول وحيه من سورة القلم ، وخاطب فيه الأميين الذين لا يعرفون استعمال القلم وممارسته ، هذا يدل على أمرين : أحدهما أن يُختار لحمل تعاليم آخر الرسالة قوم أميون ، وهم يكونون ترجماناً لها ، لئلا يكون هناك خلط بينها وبين التعاليم العامة ، والتجارب العلمية والمسلَّمات والحقائق الثابتة ، وتكون خالصةً من كل شائبة ، وجامعة كل ناحية من نواحي الحياة ، وثانيهما أن يكون نشر هذا الدين بالقراءة والقلم لصيانة هذه التعاليم ، فتختار كلتا الوسيلتين ، وتكونان عوناً في الحفاظ على آخر دين وبقائه .

اختارت الأمة الإسلامية التعاليم الواردة في سورة القلم بأحسن ما يمكن ، فصارت رائدة العلوم الإسلامية خلال قرنين ، واعتُبرت ترجماناً للتعاليم الإلهية ، ثم بدأت تتدرج إلى الانحطاط بعد ما دامت عليها إلى مدة قرنين أو ثلاثة قرون ، وبالعكس من ذلك أن الأمم الأخرى تتقدم وتترقى إلى الأمام ، لكن هذه الصورة لم تكن نهائيةً وحتميةً ، فإن تركيا التي كانت بعيدةً عن الحضارة الإسلامية إلى مدة نبغ فيها رجال كانوا نماذج العلم والمعرفة ، وكان البروفيسور فؤاد سيزكين ضمن أعلامها البارزين الذين ضربوا أمثلةً رائعةً في التاريخ ، وصاروا منارةً وقدوةً للآخرين .

تُعتبر شخصية البروفيسور فؤاد سيزكين عالماً بارزاً ، ورجلاً عظيماً في تاريخ تركيا الجديد ، وكان من الشخصيات التي تتميز بالتحقيقات النادرة والدراسات العميقة ، وتُحل شعبه وقومه محل الزعامة والقيادة في التاريخ ، فإن جهود البروفيسور فؤاد سيزكين بلغت بتركيا مكانةً رفيعةً في العلوم والفنون ، وذلك في زمن قد انقطعت فيه تركيا عن الحضارة الإسلامية إلى حد كبير ، وبلغت أوضاعها إلى حد أن تركيا إذا مارست نشاطات غير إسلامية  فلا استغراب فيها ، فكل ما أنجز البروفيسور فؤاد  من مجهودات كبيرة يرجع الفضل فيه إلى شوقه البالغ وعاطفته الدينية ، ولا شك أن هذه العاطفة إذا  استولت على شخص فلا يبالي بالعوائق ، ويقوم بإنجازات كبيرة منقطعة النظير .

كانت شخصية البروفيسور فؤاد سزكين موسوعيةً وذات  عبقرية ، وما ترك وراءه من تراث علمي وتحقيقي يندر نظيره ، فإن أعماله التي أنجزها وحده لا يمكن للمجامع والأكاديميات أن تقوم بها ، وحينما يرى إنسان إنجازاته العظيمة كماً وكيفاً يندهش من أن رجلاً واحداً كيف أنجز مثل هذه المأثرة الكبيرة ، الواقع أن خدمات البروفيسور فؤاد سيزكين ومعنويتها لا تقتصر على زمان دون زمان ، ولا يحدها مكان ، بل تعم كل العصور والأمكنة بإذن الله تعالى .

وُلد البروفيسور فؤاد سيزكين في أسرة علمية في مدينة بتليس بتركيا ، في 24/ ربيع الأول 1342هـ ، المصادف 24/ أكتوبر 1924م ، وأكمل هنا الدراسة الابتدائية والثانوية ، وكان يريد أن يدرس في كلية التقنية ، لكن بعض أقاربه ذهب به إلى المستشرق الألماني المعروف          ” هلمت رتر ” ( Hellmut Ritter ) ، فبدأ دراسته تحت إشرافه ، فكان يبذل أولاً أربع عشرة ساعةً في الدراسة ، ثم زاد من مدة دراسته بتشجيع أستاذه المذكور أعلاه ، وجعلها ثماني عشرة ساعةً يومياً طول الحياة .

كان البروفيسور فؤاد سيزكين مواظباً على الجهد المثالي ، فبرع في أقل من ستة أشهر في اللغة العربية ، حتى قال أستاذه ” رتر ” متحيراً : ما رأيت أحداً يتعلم اللغة العربية في هذه المدة القليلة ، وقد تعلم اللغات الفارسية والعبرانية والسريانية واللاتينية ، وقيل : إنه كان يتقن 27/   لغةً ، وحصل على شهادة الدكتوراة حول : مصادر صحيح البخاري ، تحت إشراف الأستاذ هلمت رتر عام 1954م ، ورفض سيزكين في دراسته هذه الفكرة أن الإمام البخاري أكثر من استعمال الأدوات الكتابية بدلاً من اللسانية .

وعُين فؤاد سيزكين عام 1954م كمحاضر بجامعة إستانبول ، وكان يركز عنايته منذ بدايته  على أن العصر العباسي الذي هو عصر الإسلام الذهبي في حاجة إلى أن  يقدم تاريخه الصحيح في ضوء العلوم والفنون العربية ، ويكشف عن آثارها على الغرب ، وخلال هذه المدة درس كتاب تاريخ الأدب العربي لبروكلمان ، فاطلع على أن  بروكلمان لم يتناول ذكر الكتب الخطية الموجودة في مكتبات إستانبول بتفصيل ، فعزم على استدراك ما فاته من بروكلمان ، ذكر ذلك أمام أستاذه  فشجَّعه على ذلك ، لكن حينما خاض في هذا الأمر وحلّل أسبابه  وعوامله ، غيَّر موقفه ، وأراد أن يستأنف عملاً علمياً آخر ، فبذل فيه جهده المستطاع ، وسافر إلى ستين دولةً ، وأنجز عملاً ، لم يكن ذيلاً أو تكملةً لعمل بروكلمان ، بل كان عملاً مستقلاً ، وفريداً من نوعه ، وكان أعظم وأوسع من عمل بروكلمان ، أبرز فؤاد سزكين بعمله العظيم مجهودات العلماء المسلمين واكتشافاتهم العلمية ، وفنَّد هذه الفرية أن الازدهار العلمي والتكنولوجي المعاصر رهين بأوربا ، وأثبت في ضوء الدلائل والبراهين أن المسلمين هم الذين أنشأوا علوم الطبيعة والتكنولوجيا ، وعلم التكنولوجيا المعاصر مؤسس على تحقيقات المسلمين وأفكارهم ونظراتهم واتجاهاتهم ، وكشف عُوار أوربا بأسلوب واقعي ، حتى لم يبق فيه شك ولا شبهة ، ولم يقتصر عمل فؤاد سيزكين على مجال علم الطبيعة فقط ، بل توسع في مجال من مجالات العلوم والفنون ، وأثبت ذلك بكل وضوح وقوة وفي ضوء الدلائل والبراهين التي لا يجحدها رجل يحمل عقلاً ومعرفةً .

وفي عام 1960م حينما تولى جيش تركيا نظام الحكم الاستبدادي فيها بإزاحة حكومة عدنان مندريس ، تأثرت به المؤسسات التعليمية أيضاً ، فأقال الجيش كثيراً من الأساتذة من وظائفهم ، كان من بينهم فؤاد سيزكين ، فسافر إلى ألمانيا في 13/ مارس عام 1961م ، وعمل أولاً في جامعة كوئتى بفرانكفورت كأستاذ زائر ، وحصل هناك مرةً ثانيةً على شهادة الدكتوراه في تاريخ العلوم العربية الإسلامية ، ثم عين فيها أستاذاً مساعداً ، ثم أستاذاً عام 1965م ، وصدر المجلد الأول من كتابه : تاريخ التراث العربي ، وأكرم بجائزة الملك فيصل عام  1978م ، فوقف جميع النقود التي نالها في الجائزة لمعهد تاريخ العلوم العربية الإسلامية الذي أنشأه ، كما أكرم بجوائز أخرى من مؤسسات عالمية ووطنية في ألمانيا وتركيا .

أنشأ البروفيسور فؤاد سيزكين معهد تاريخ العلوم العربية والإسلامية ، في جامعة فرانكفورت ، عام 1982م ، كما أسس متحفاً علمياً في جواره عام 1983م ، عرض فيه آلات علوم الطبيعة التي اكتشفها العلماء المسلمون عبر العصور ، ووزع هذه الآلات إلى ثماني مأة نموذج ، وفي عام 1984م  أصدر مجلة العلوم العربية باللغات الكثيرة ، تنشر فيها بحوث ومقالات باللغة الانجليزية والألمانية والفرنسية والعربية ، وفي عام 2008م أسس معرضاً علمياً في إستانبول على غرار معرض فرانفكورت ، وفي عام 2010م وجه المسلمين إلى إنشاء مؤسسات علمية في تاريخ العلوم الطبيعية ، وفي عام 2013م أنشأ معهد البروفيسور فؤاد سيزكين لتاريخ علم الطبيعة في الإسلام ، وفي نفس العام أقام قسم تاريخ علوم الطبيعة .

من أهم مآثر البروفيسور فؤاد سيزكين مؤلفه : تاريخ التراث العربي ، الذي نال مكانةً عاليةً في الدراسات والتحقيقات ، صدر لهذا الكتاب 17/ مجلداً في حياته ، وكان المجلد الأخير على وشك الصدور إذ فأجأته المنية ، وهي مأثرة علمية وثورية في التاريخ ، وجهد نموذجي مشكور ، فإنه قدَّم أمام العالم ما أنجزه العلماء المسلمون والباحثون وأصحاب الاختصاصات في مجال العلم والطبعية والتكنولوجيا بكل وضوح وصراحة ، لا يمكن غض النظر عنها  الآن . لا يعتبر هذا العمل التاريخي مأثرةً في  تركيا فقط ، بل في العالم الإسلامي كله ، وهو يملأ أذهان القراء بفكرة غلبة المسلمين ، ويصوغ طبائع الجاليات المسلمة على منوال السلف الصالح ، فإن فؤاد سيزكين لا يزال يفكر في تعريف الجيل الجديد بالماضي المشرق للمسلمين ، ويدعو إلى أن يستعيد مكانته السالفة ومجده التليد ، بشرط أن يعتبر البحث والتحقيق كنزاً ثميناً ، ومتاعاً غالياً له .

وصلى الله تعالى على خير خلقه محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً كثيراً .