الإنسان يتميز بالدين المتميز !

الأمة الوسط ، ومسئولية الشهادة !
أبريل 20, 2022

الافتتاحية :           بسم الله الرحمن الرحيم

الإنسان يتميز بالدين المتميز !

لقد عمَّر الله سبحانه وتعالى أرض هذه الدنيا بأنواع وألوان من المخلوقات التي لا يأتي عليها الحصر إلا أن الإنسان كان أكثر تميزاً في جميع شئون الحياة وبين المخلوقات الحية والخلائق الصامتة ، وكان البشر أجدر بحمل رسالة الله تعالى من الإيمان والعمل وبناء هذا الكون الأرضية بالأوامر والنواهي التي بعثها الله تعالى للعالم البشري ، منذ أن بعث أبا الأنبياء آدم عليه السلام الذي جمع بين الحياة الروحية والمادية ، وكان أول نموذج لنبي مبعوث إلى أبنائه من الجن والإنس ، ثم أصبحت بعثة الأنبياء والرسل تترى مع التاريخ البشري والزمني ، وقد أحصى بعض المؤرخين العالميين عددهم الذي يبلغ إلى آلاف مؤلفة .

ومن الجدير بهذه المناسبة أن نتحدث عن النبي نوح عليه الصلاة والسلام ، الذي أكرمه الله سبحانه وتعالى بعمر طويل يبلغ عمر دعوته فقط إلى ألف عام إلا خمسين عاماً ، استمر فيه بالدعوة إلى الله تبارك وتعالى ، وإثبات وحدانيته قرابة ألف عام ، وفي إبلاغ رسالته إلى معاصريه من الناس الذين كانوا يضحكون عليه ويجعلون أصابعهم في آذانهم ويغشون ثيابهم ، ولكنهم لم يؤمنوا ، رغم أن النبي نوحاً عليه الصلاة والسلام استنفد كل وسيلة من وسائل الدعوة رجاء أن يستقيم الناس ويسلكوا طريق الحق والدين ، حتى يئس النبي نوح عليه الصلاة والسلام من إيمان قومه واشتكى إلى ربه تعالى وقال كما جاء في سورة نوح من القرآن الكريم : ( قَالَ نُوحٌ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِى وَٱتَّبَعُواْ مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاَّ خَسَاراً .  وَمَكَرُواْ مَكْراً كُبَّاراً . وَقَالُواْ لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلاَ تَذَرُنَّ وَدّاً وَلاَ سُوَاعاً وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً . وَقَدْ أَضَلُّواْ كَثِيراً وَلاَ تَزِدِ ٱلظَّالِمِينَ إِلاَّ ضَلاَلاً . مِّمَّا خَطِيۤئَاتِهِمْ أُغْرِقُواْ فَأُدْخِلُواْ نَاراً فَلَمْ يَجِدُواْ لَهُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ أَنصَاراً . وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ دَيَّاراً . إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ وَلاَ يَلِدُوۤاْ إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً . رَّبِّ ٱغْفِرْ لِى وَلِوَالِدَىَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِىَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ وَلاَ تَزِدِ ٱلظَّالِمِينَ إِلاَّ تَبَاراً ) .

ومنذ ذلك الوقت استمرت الدعوة إلى الله ومعرفة مكانته الخلاقية والرزاقية لكل من في الكون من الأحياء ، ومما لا يحتاج إلى معاش وعمل مشهود من الجمادات والخلائق الصامتة ، وقد تحقق هذا الغرض الأسمى من خلال جماعات من الأنبياء والدعاة ممن لم يكتفوا بأداء مسئولياتهم في الوسط الذي بُعثوا فيه ، بل كانوا دعاةً إلى خالق الكون وصنائعه العظيمة وقدراته المحيطة بالبيئة التي أُرسلوا فيها مهما خالفهم أعداؤهم وحاربوهم بكل ما استطاعوا من قول وفعل .

إن دراسة كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم تكشف لنا وجه التاريخ الديني والدعوي ، ذاك أن الله تعالى بعث آخر الأنبياء محمداً صلى الله عليه وسلم ، وأنزل معه الكتاب الذي لا يأتيه الباطل بين يديه ولا من خلفه ، تنزيل من حكيم حميد ، ومن خلال ذلك ثبت أن الإسلام إنما هو آخر رسالة سماوية للإنسان الذي يعيش في الدنيا ويعرف الغاية التي قررها الله سبحانه لكي تكون حياته وأيامه رمزاً للدين الأخير والنبي الخاتم ورسالة السماء الأخيرة التي سماها الله تعالى    ” الإسلام ” فقال : ( إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ ) .

وتحقيقاً لهذا الغرض السامي أنشأ علماء الإسلام مراكز إسلاميةً من المدارس والجامعات وفتحوا أبوابها لطلبة العلم والدارسين للدين الإسلامي الذي لا يستغني عنه الإنسان في أي مكان وزمان ، وإن كان كثير من الناس لا يعرفون أهمية دورها في بناء الحياة الإنسانية على أسس سليمة ولا يرون حاجةً إليه ، ما دامت كثرة المثقفين بالثقافات العالمية متوافرة في العالم اليوم ، وهم لا يفتقرون إلى الجامعات والمراكز التي تركز على دراسة ما يليق بهذا النوع البشري في الزمن الذي برزت فيه دول إنسانية كثيرة على ساحة العلوم والإنتاجات والثقافات .

أما العلوم الإسلامية التي أنتجت نوعاً خاصاً من أهل العلم والدين فإنها أصبحت في مؤخر الركب ، والناس لا يرونها وافيةً بحاجات العالم المتحضر ولا بثقافات العصر الحديث الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية بوجه خاص ، بل الواقع أن عدداً كبيراً من الشباب المسلم يسافرون إلى أمريكا ويغتبط أولياؤهم على هذه الفرصة المتاحة ، رغم أن عدداً كبيراً من شباب الجامعات العصرية لا ينجحون في انتهاز هذه الفرصة الغالية وإن كان العائدون من دراستهم العلمية لا يدركون ما قد كانوا يرجون من المنافع العلمية والثقافية والاقتصادية ، فإذا هم في قلق مستمر ، يقضون أوقاتهم في فراغ أي فراغ ، ويرافقهم القلق لعلو مكانتهم في التعلم الجامعي ، ولعدم توافر إمكانيات وفرص للعمل في البيئات التي تيسرت لهم ، فذاك هو الواقع الفظيع الذي لا يفارقهم رغم دراستهم العالية ، وعيشهم في البيئات المثقفة .

ومن خلال هذه المشكلة نرجع إلى الفرص المتاحة التي يكرمنا بها التعليم الواقعي الذي يتيحه لنا ديننا الإسلامي والمنهج الذي اختاره علماء الإسلام ، ووفره لنا التعليم الإسلامي الذي وضعه الله سبحانه للحياة الإسلامية وإبراز ملامحها في جميع الأزمان والأمكنة .

إن التعليم الإسلامي ومنهج العلم والدين لا يحول دون التعاليم والدراسات الواقعية التي وضعها الله تعالى لعباده المؤمنين في ضوء كتابه وتعاليم رسوله صلى الله عليه وسلم ، وإن كان ذلك يتعلق بالصناعات والإبداعات المادية ، ويساعدهم في ترتيب شئون الحياة بجميع أنواعها ، فإن تعاليم الكتاب والسنة وتعاليم الإسلام تتيح فرصاً سانحةً لبناء الحياة الإسلامية على أسس من الوحي السماوي الذي نزل به جبريل عليه السلام على نبينا ورسولنا محمد صلى الله عليه وسلم ، وقد أكمل الله تعالى حياة الإنسان من علوم الدين والدنيا بواسطة ذلك الوحي السماوي العظيم الدائم إلى يوم الدين ، ذلك الوحي الذي كان يتلقاه رسولنا العظيم صلى الله عليه وسلم ، فلم يعد هناك ركن من حياة الإنسان ولا زاوية من زوايا الحياة التي تساعده في كل مجال من العبادة الخالصة لله تعالى ، وفي كل صغير وكبير مما له صلة بالكون والحياة والإنسان ، وبذلك تتكامل الحياة بجميع أنواعها وتؤدي حق عبادة الله تعالى وطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم ، والتعايش البشري ، فرداً وجماعةً ، يقول الله تعالى في كتابه الدائم الخالد : ( إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصَّادِقُونَ . قُلْ أَتُعَلِّمُونَ ٱللَّهَ بِدِينِكُمْ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِى ٱلأَرْضِ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ . يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ قُل لاَّ تَمُنُّواْ عَلَىَّ إِسْلاَمَكُمْ بَلِ ٱللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلإِيمَانِ إِنُ كُنْتُمْ صَادِقِينَ . إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ) .

بهذه الروح الإيمانية يعيش المسلم لربه تبارك وتعالى ويخلص كل لمحة من حياته لتمثيل دين الله تعالى من جميع النواحي وفي كل حين    وآن ، ولا يتوقف للحظة واحدة عن هذا التمثيل الكامل مهما كانت الظروف ، ويتمكن كل شخص من جراء ذلك أن يقدم نموذجاً صالحاً للعبودية والإيمان الخالص في المجتمع البشري الذي يعيش فيه ، وفي جميع الأوساط الكونية في العالم .

فكان من منة الإسلام على جميع المستويات أنه أكرم الإنسان المسلم بمكانة عالية في جميع الأوساط والمجتمعات التي مثلها رسولنا العظيم صلى الله عليه وسلم ، فكان الإسلام هو الدين الكامل الدائم الخالد إلى يوم القيامة ، وجعله الله تعالى منهجاً ربانياً عظيماً ، كُتب له الخلود والدوام لتغذية الروح الإيمانية الكاملة مع العيش ( في كل حين وآن ) مع الخالق العظيم وربنا الدائم القائم الحي القيوم ، الذي لا يدرك الإنسان المسلم بغيره أي تميز ناله في هذا العالم المادي من السعادة والعز والهيبة ولا يميز بين الحلال والحرام وبين الخير والشر .

يقول الله سبحانه وهو يخاطب أمة الإسلام : ( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ ) .

والله يقول الحق وهو يهدي السبيل .

سعيد الأعظمي الندوي

27/8/1443هـ

31/3/2022م