الإمام أبو الحسن علي الحسني الندوي رحمه الله وإسهاماته في تطوير الأدب الإسلامي

عبد العزيز جاويش الشيخ الذي رفض منصب شيخ الإسلام
يونيو 3, 2022

رجال من التاريخ :

الإمام أبو الحسن علي الحسني الندوي رحمه الله

وإسهاماته في تطوير الأدب الإسلامي

الأخ بلال أحمد بيغ *

د . إرشاد أحمد مير §

هو الأديب النابغ والمفكر الكبير والكاتب القدير والداعية الإسلامي الإمام العلامة السيد أبو الحسن علي بن عبد الحي بن        فخر الدين الحسني الندوي . ينتهي نسبه إلى السيد الإمام الحسن بن    علي بن أبي طالب رضي الله عنهما [1] .

ولادته :

وُلد في اليوم السادس من شهر بقرية ” تكية كلان ” ١٩١٤م بمديرية ” راي بريلي ” الولاية الشمالية ، أتربراديش من بلاد الهند ، وتبعد قرية ” تكية كلان ” ثمانين كيلو متراً من مدينة لكناؤ ، والتي أسسها الشيخ السيد علم الله بن السيد فضيل الحسني النقشبندي في القرن الحادي عشر الهجري [2] .

أسرته :

لا شك في أن أسرة الشيخ الندوي هي أسرة عربية الأصل وعريقة ذات فضل وعلم ، ترجع جذورها إلى سيدنا الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما ، فاشتهرت بالأسرة الحسنية ، وهي لا تزال تحافظ على أنسابها وصلاتها بأصلها العربي ، وإن كانت تعيش في الهند منذ قرون ، وتمتاز بتمسكها بالشريعة الإسلامية ، وبذل الجهد في نشر العلم وخدمة الإسلام والعمل لخير المسلمين .

ونزحت من المدينة المنورة إلى الهند في القرن السابع الهجري . وكان كبير الأسرة الأمير قطب الدين محمد المدني ( المتوفى ٦٧٧هـ ) وهو ابن أخت الشيخ عبد القادر الجيلاني . وهو أول من هاجر من المدينة المنورة واستوطن بالهند من هذه الأسرة الشريفة . إنه هاجر إلى الهند لأنه رأى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في منامه يأمره بالتوجه إلى الهند للجهاد ، ويبشره بالفتح المبين ، فقدم الهند مع جماعة كبيرة من أصحابه عن طريق بغداد . وبعد ذلك خرج مجاهداً في سبيل الله وفتح القلاع ونشر الإسلام في الهند . وانتقل إلى رحمة الله في عام ١٢٨٩م في كره مانك بور . وكان مؤسساً لأسرة الشيخ أبو الحسن الندوي في الهند في أوائل القرن السابع الهجري . كما يقول الإمام أبو الحسن بنفسه :

” يطلعنا تاريخ الأسرة القديم والمعاصر على حقيقة لها شأنها ، وهي أن الأسرة منذ قدومها إلى الهند – وقد تم ذلك بورود الأمير الكبير السيد ( قطب الدين محمد المدني ) مؤسس هذه الأسرة في الهند في أوائل القرن السابع الهجري كما مر . . . ” [3] .

إسهاماته في تطوير الأدب الإسلامي :

يعتبر الشيخ أبو الحسن الندوي رائد الأدب الإسلامي وحامل لوائه على المستوى العالمي ، وفي توجيهاته الخاصة قامت رابطة الأدب الإسلامي العالمية ، التي تولت نشر فكرة ” العالمية ” للأدب الإسلامي ، وتكفلت بتعريفها في جميع الأوساط الأدبية في العالم الإسلامي شرقاً وغرباً وجنوباً وشمالاً ، حتى نهض الأدباء الإسلاميون واستجابوا لهذه الفكرة العالمية للأدب الإسلامي ، ووجدوا مجالاً واسعاً لأدبهم وإنتاجهم وكتاباتهم الهادفة ، ونشطوا لأداء رسالتهم الأدبية في مختلف مجالات الحياة ، وربط الحياة بمصدر العقيدة والإيمان .

دعا إلى الأدب النزيه الهادف قائلاً : ” مما لا شك فيه أن الأدب هو أحد الفنون المهمة التي تساهم في توجيه الثقافة لدى الشعوب والجماهير ، وقد عرفت الحضارة الإسلامية منذ بزوغ إشعاعها الأول قيمة الأدب كعنصر فعال ، وقد كان القرآن الكريم ببلاغته الرفيعة منبعاً للحكمة والمعرفة والأدب الرفيع يستمد منه الأدباء والبلغاء مادتهم ، وكثير من الأدباء والبلغاء في القرن الأول أسلموا ودخلوا في الإسلام بتأثير القرآن في نفوسهم تأثيراً عميقاً بأدبه وبلاغته ، وهكذا كان الحديث النبوي الشريف مصدراً للهداية والمعرفة والأدب والثقافة لا يستغني عنه الأديب المسلم في تكوين الفكرة ، ولكن هذا الأدب الفياض كان مغموراً مطموراً في كتب دينية أو علمية أو فلسفية أو اجتماعية ، كما كان موجوداً في كتابات أولئك الرجال الذين لم يتخذوه حرفةً ولا مكسباً ، ولم يريدوه أن يصلوا به إلى أغراضهم ومناصبهم وجاههم حتى تورط في حدود ضيقة وأفكار تافهة كما يشير إلى هذه الحالة المؤسفة في مقدمة ” مختارات من أدب العرب ” إن هذا الأدب جاء في بحث ديني أو كتاب علمي أو موضوع فلسفي أو اجتماعي ، فبقي مغموراً مطموراً في الآداب الدينية أو الكتب العلمية ، ويضيف قائلاً :

” إن هذا الأدب الطبيعي الجميل القوي كثير وقديم في المكتبة العربية ، بل هو أكبر سناً وأسبق زماناً من الأدب الصناعي ، فقد دون هذا الأدب في كتب الحديث والسيرة قبل أن يدون الأدب الصناعي في كتب الرسائل والمقامات ، ولكنه لم يحظ من دراسة الأدباء مع أنه هو الأدب الذي تجلت فيه عبقرية اللغة العربية وأسرارها وبراعة أهل اللغة    ولباقتهم ، وهو مدرسة الأدب الأصلية الأولى ” [4] .

فنادى الإمام الندوي بهذا الأدب ونفخ روحه في الأوساط العلمية والأدبية واستخدمه في نشاطاته الدعوية والكتابية ، وسماه بالأدب الإسلامي ، ولفت أنظار الأدباء ونوابغ الدهر إليه ، وقاد حركة الأدب الإسلامي ، انظر إلى ما قال الإمام الندوي في تعريفه :

” إن الأدب الإسلامي أو الأدب الحي كما يسميه الشيخ              ” أبو الحسن الندوي ” مرتبط ارتباطاً وثيقاً بازدهار الحضارة ونهضة الأمة ، لأنه الروح التي تحيي الجسد وتبعث فيه الحركة والنشاط ، وقد أشار إلى هذا المعنى الشاعر الإسلامي الكبير ” محمد إقبال ” حين قال : ” لا خير في نشيد شاعر ولا في صوت مغن إذا لم يفيضا على الحياة والحماسة ” [5] .

وهكذا يعد الإمام الندوي أحد الرواد الأوائل الذين اهتموا في هذا العصر بالأدب الإسلامي ، وقد أثمرت جهوده في السنوات الأخيرة بإقامة رابطة الأدب الإسلامي ، وانتخب رئيساً لها أولاً ، واهتم بحركتها القيادية فردياً وجماعياً ، وحاول نشر هذا الأدب الإسلامي في عالمنا العربي والإسلامي بكل قوة وبيان خلال كتاباته الأدبية الممتلئة بالروح الإسلامية الخالصة وخلال مساهماته في الندوات والمؤتمرات التي ما زالت تنعقد في البلدان العربية وشبه القارة الهندية لترويج فكر الأدب  الإسلامي ” [6] .

امتلك العلامة قلماً سيالاً ، كتب به عدداً من المؤلفات    والمقالات ، وأسلوباً سهلاً عذباً بحيث لا يجد القارئ صعوبةً في فهمه ، وقدرة فائقة في العرض تظهر في حسن اختيار الكلمات الفصيحة والشواهد الشعرية وبراعة الاستدلال والاستنتاج وفي صياغة تتسم بحسن السبك وجمال العبارة وإبداع في الصور البيانية ، وذلك كله يدل على ملكة أدبية في كتابه ” ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين ” و ” روائع إقبال ” و ” الطريق إلى المدينة ” بأشد أسلوب جذاب وتعبير شاهق أخاذ بمجامع قلوب الأدباء الكبار ، تأملوا فيما كتبه ” علي الطنطاوي ” في أسلوب الشيخ الندوي ، هو يكتب :

” يا أخي الأستاذ أبا الحسن ! لقد كدت أفقد ثقتي بالأدب حين لم أعد أجد عند الأدباء هذه النغمة العلوية التي غنى بها الشعراء فلما قرأت كتابك ، وجدته في نثر ، وهو الشعر إلا أنه بغير نظام ” [7]  .

ولا حاجة إلى الإفادة في الإشادة بما وهبه الله من مواهب يغبط عليها عند كرام الرجال ، فحسبه فخراً أن يوفقه الله فألف كتباً باللغة العربية الفصحى وأسلوبها البليغ الجذاب وعباراتها السهلة العذبة وبلاغتها الرائعة العجيبة ، قد أثرى الساحة العربية بالعديد من الكتب والمؤلفات والتي صور في بعضها الواقع العربي   الراهن ، وله في كل مجال إنتاجات ضخمة ومؤلفات قيمة وأعمال جليلة وخدمات فذة ، فهو من رواد الفكر الإسلامي ، والأدب الإسلامي والدعوة الإسلامية ، في العالم كله ، وهو رائد التربية الإسلامية ، والثقافة الإسلامية الجامعة على المستوى العالمي ورائد بالجمع بين العلم النافع والإيمان الواسع في كل مكان ورائد الجهاد الإسلامي بالقلم واللسان بأفضل أنواعه وأرفع أصنافه ، بهذه الأعمال الجليلة وذاك الأسلوب البليغ قد احتل مكانةً مرموقةً بين الأدباء والدعاة والمصلحين جميعاً واعترف بمنزلته الأدبية والعلمية كثير من المؤلفين المتميزين والباحثين المرموقين في عصره وعلى سبيل المثال ، وإلى القراء قول الأستاذ ” محمد حسن بريغش ” :

” لم يكن العلامة محباً للعربية شغوفاً بها ، عارفاً لأساليبها وتذوقاً لجمالها فحسب ، بل كان أديباً موهوباً وكتاباً بارعاً منذ نشأته . وترك الكثير من المؤلفات والكتب والبحوث ، وأصبحت له مكانة مرموقة في العالمين العربي والإسلامي بين الدعاة والمخلصين والكتاب والمؤلفين ” .

قام العلامة الندوي بجمع ” مختارات من أدب العرب ” في جزئين ، حاول فيها أن تكون ممثلةً للأدب العربي الإسلامي ، في جميع مظاهره ومناحيه الأدبية والتاريخية والتهذيبية  ، من العصر الإسلامي الأول إلى القرن الرابع عشر الهجري .

وفي المقدمة التي كتبها الإمام الندوي للجزء الأول بين فيها أن الأدب العربي أصيب بمحنة طبيعية ، حيث إنها قد توجد في كل الآداب ، لكن الفارق أنها تطول في أدب أمة ما ، وتقصر في أدب قوم آخرين ، نتيجة للعوامل السياسية والأحوال الاجتماعية ، والتغيرات الحضارية التي تؤثر في حالة الأدب .

إن هذا الأدب الطبيعي الجميل القوي كثير وقديم في المكتبة العربية بل هو أكبر سناً وأسبق زمناً من الأدب الصناعي ، فقد دون هذا الأدب في كتب الحديث والسيرة ، قبل أن يدون الأدب الصناعي في كتب الرسائل والمقامات ، ولكنه لم يحظ بدراسة الأدباء والباحثين وعنايتهم ما حظي به الأدب الصناعي ، مع أنه هو الأدب الذى تجلت فيه عبقرية اللغة العربية وأسرارها وبراعة أهل اللغة ولباقتهم  ، وهو مدرسة الأدب الأصيلة الأولى .

يرى الإمام الندوي أن عنصر الإخلاص والصدق في الأدب هما اللذان يهبانه هذا البعد الوظيفي ، لأنهما يمنحان الروح والقوة والحيوية ويجعلانه حقيقةً أبديةً خالدةً .

ويقول : إن للأدب رسالة حقيقة في المجتمع الإسلامي ، وبهذه الرسالة يكتسب مكانته وقيمته الحقيقة باعتباره راعياً لقيم الخير في المجتمع ، وموجهاً للثقافة النافعة التي تساهم في البناء الحضاري ، ومن هنا حرص الشيخ الندوي على بيان هذا البعد الوظيفي للأدب ، فقال :

” حاجتنا وحاجة هذا العهد ، حاجة العالم العربي بصفة خاصة ، هي الأدب الهادف السليم ، الدافق بالحيوية ، المتدفق بالقوة الذي يحمل رسالةً ساميةً سماويةً إنسانيةً إسلاميةً عالميةً ” .

يرى أن الأدب يؤدي وظيفته الخطيرة في المجتمع ، لأنه ملتزم بحمل قضايا الفكر والعقيدة والتصور السليم وقيم الخير والعدل وفق ما جاء في الكتاب والسنة لمزجها بقلوب الناس وعقولهم حتى يتكون الفرد المسلم ثم المجتمع المسلم .

هذا الالتزام ليس قيداً على حرية الأديب ، كما يعتقد دعاة التحرر في الفن والأدب ، بل هو الذى يميز الأدب ، ويمنحه طابعه الخاص والالتزام كقضية حقيقية مقررة وخطة مسلمة بها في علم الفن والأدب .

قد أشار الإمام الندوي في كتاباته إلى البعد الحضاري للأدب وأهميته في صناعة التاريخ ، فكثيراً ما كان يكرر هذه الجملة : إننا نحتاج إلى أدب ينفخ في نفوسنا حياةً جديدةً وروحاً جديدةً أي أننا في حاجة إلى أدب حي يحمل رسالةً حضاريةً تغييريةً ، تهدف إلى تكوين الفرد المسلم ثم المجتمع المسلم ، وتغيير القيم السلبية التى يعيشها العالم الإسلامي ، ذلك بإثارة الرغبة في النفوس للعمل الجاد وللفاعلية المتوقدة لصنع شيئ له قيمة في الحياة وبناء حضارة ترضي الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وتزكيها الأجيال القادمة .

قد لفت أنظار المعنيين بالأدب والكتابة ودراسة الأدب وتاريخ الأدب إلى ضرورة الاعتناء بهذا الجانب المهم في الأدب ، والذي يستطيع أن تغير الاتجاه من السقيم إلى السليم ، ومن سيطرة الأهواء والغرائز إلى سيطرة الأخلاق والقيم النبيلة ، ومن تبعية الكسل والكساد والخمول إلى الحرص على الحركة والنشاط والفاعلية .

* باحث بجامعة العلوم والتكنولوجيا أونتي بورة ، بلوامه كشمير .

  • الأستاذ المساعد ، قسم اللغة العربية وآدابها ، الجامعة الإسلامية للعلوم والتكنولوجيا أونتي بورة ، كشمير .

[1] أبو الحسن الندوي ، في مسيرة الحياة ، ج ١ ، ص : ٣٠ .

[2] المصدر السابق ، ص : ٤٥ .

[3] في مسيرة الحياة ، أبو الحسن الندوي ، ج ١ ، ص : ٣٤ .

[4] نظرات من الأدب ، أبو الحسن الندوي ،ص : ١٠٦ .

[5] مختارات من أدب العرب ، أبو الحسن الندوي ، ص : ١ – ١٢ .

[6] الإمام المفكر الداعية المربي الأريب ، السيد عبد الماجد الغوري ،ص : ٤٩ – ٥٢ .

[7] الطريق إلى المدينة ، أبو الحسن الندوي ، ص : ١٤ .