الأمير عبد الكريم الخطابي بطل حرب الريف المغربي ضد المحتلين

دور الصحابي الجليل كعب بن زهير وغيره من كبار الشخصيات في مجال الأدب العربي الإسلامي
جولائی 31, 2021
الشيخ عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني
اکتوبر 12, 2021

من وحي التنوير :

الأمير عبد الكريم الخطابي

بطل حرب الريف المغربي ضد المحتلين

بقلم : الدكتور غريب جمعة ( جمهورية مصر العربية )

زعيم مغربي وهو الأمير عبد الكريم بن عبد الكريم بن محمد الخطابي ينتهي نسبه إلى الخليفة الراشد الثاني عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه .

كانت ولادته عام 1289هــ/1880م في بيت عُرف بالعلم والجهاد في بلدة أجادير شمالي المغرب ثم التحق بجامعة القرويين بمدينة فاس ، وبعد أن أتم دراسته عُين قاضياً شرعياً ببلدة مليلة . كان أبوه زعيماً مرهوب الجانب نافذ الكلمة لقبيلة بني ورياغل أكبر قبائل الأمازيج البريرية التي تسكن هذا الإقليم الجبلي المطل على البحر الأبيض المتوسط وتقع أجادير بيني بلدتي سبته ومليلة . وكلتاهما تحت الاحتلال الأسباني وفي عام 1912م دخلت المنطقة الشمالية تحت الحماية الإسبانية بعد اتفاقية بين فرنسا وأسبانيا .

ومن هنا بدأت المناوشات والمفاوضات بين المحتلين والوطنيين ولكن والده لم يرضخ لشروط المحتلين .

وفي عام 1920م انتقل الوالد إلى جوار ربه وخلفه ولده             عبد الكريم في زعامة بني ورياغل وقبائل الريف الأخرى ، وكان الوالد يستعد لصد الهجوم الأسباني المسلح بقيادة الجنرال سلفتر وفي نفس الوقت استدعى ابنه الذي كان يدرس في أسبانيا حتى يقطع علاقته تماماً بدولة الحماية .

مضى عبد الكريم على درب والده فقام بتجميع القبائل المناصرة له ووضع ميثاقاً وطنياً يهدف إلى استقلال الريف على أساس إسلامي . ثم أقام مواقع حصينة في الأماكن التي يمكن أين يهاجمه الأعداء من   قبلها . وكان يعتمد في تسليح قواته على السلاح الذي يغنمه من عدوه .

وفي 15 مايو 1931م نشبت معركة أنوال بين الإسبانيين بقيادة الجنرال سلفتر وبين الوطنيين بقيادة الأمير عيد الكريم الذين مزقوا شمل القوات الإسبانية شر ممزق ، فقد قتلوا من الأسبان 14772 جندياً فضلاً عن الأسرى وكان من بينهم الجنرال نوفار واستولوا على 30000 بندقية        و 520 مدفع ، هذا عدا أطنان الذخيرة والعتاد ، ثم أخذوا مبلغ 800000 جنية فدية للأسرى الأسبان مع اشتراط إطلاق سراح الأسرى المغاربة في سجون الأسبان . وقد تقدم عبد الكريم ورجاله نحو أسوار مليلة ، ولو كانت لديهم قوة بحرية لسقطت في أيديهم وكانت نتيجة هذه الخسائر الفادحة أن الجنرال سلفتر أنهى حياته بالانتحار . وقد رأى الوطنييون أن تكون مقاومتهم على هيئة حرب العصابات التي أفزعت الأسيبان أيما فزع فدعمت قواتها بسلاح الطيران والبحرية بل وصل بها الجنون إلى حد استخدام الغازات السامة ، وتولى دكتاتور أسبانيا في ذلك الوقت ويدعى برغر ديريفيرا قيادة القوات بنفسه لفك الحصار عن الحامية الأسبانية وواصل تقدمه حتى بلغ بلدة تطوان . عندئذ قام عبد الكريم بتجميع القبائل لتدعيم الوحدة الوطنية بينها ، وأصبحت أجادير عاصمة هذه الإمارة الوليدة .

ولم تكن فرنسا في غفلة من انتصار الأمير عبد الكريم المتوالية بل كانت تتابع في حذر و غيظ معاً على الرغم من أنها لم تكن طرفاً في هذه الحرب الضروس ، إلا أنها بدافع من الغيظ وحب الانتقام بدأت العدوان على الوطنيين بواسطة القوات الفرنسية المرابطة جنوب المنطقة الغربية بقيادة الجنرال ليوتي ، حيث عبرت تلك القوات الحدود وبدأت باستخدام المدفعية الثقيلة ثم إلقاء قنابل الطائرات . وهذا فتح جبهة جديدة شرسة أمام عبد الكريم ورجاله ولكنهم صمدوا صموداً مدهشاً حيث انزلو بالفرنسيين خسائر فادحة وهزموهم هزيمة نكراء وبرغم هذه الهزائم المتتالية إلا أن الفرنسيين لم يتراجعوا حيث دارت معارك قربان والبليبان وفاس وتازة ، ولكن الهزيمة كانت حليفتهم في كل تلك المعارك مما أدى إلى تنحية ليوتي عن القيادة وتولى بدلاً منه كبار القادة مثل : المارشال بيتان والجنرال قولان وزير الحربية لانقاذ القوات الفرنسية من هذه الهزائم ولكن هذه القيادة فشلت أيضاً في تحقيق أي انتصار على الوطنيين الذين توالت انتصاراتهم ، ونتيجةً لذلك تم انعقاد مؤتمر في مدرير في 27 يونيو 1925م بين الأسبان والفرنسيين تقرر فيه تنظيم التعاون بين الدولتين ضد عبد الكريم ورجاله .

وفي نفس الوقت عقد عبد الكريم مؤتمر أجادير لتنظيم العمل الوطني .

وفي 15 من أبريل عام 1926م بدأ هجوم فرنسي إسباني كاسح وشامل من ثلاث جبهات ، استخدمت فيه كل الأسلحة ضد الوطنيين ، من دبابات ومدفعية ثقيلة ووحدات أسطول وطيران ، وقد كان عدد قوات الدولتين في ذلك الهجوم نحو 20 فرقة ( كل فرقة مكونة من عدة  جيوش ) مقابل خمسة آلاف من الوطنيين ، وماذا تفعل هذه الآلاف الخمسة أمام هذه الجحافل المكتسحة ؟ وأدرك الأمير عبدالكريم ورجاله أن المقاومة لا فائدة منها ، فتوقف القتال وبدأت المفاوضات للصلح والهدنة وقد تضمنت شروط الحلفاء ما يأتي :

  • نفي عبد الكريم وشقيقه وأسرته من الريف وتقديم فروض الطاعة والولاء للسلطان ( الذي هو تحت حماية الدولتين ) .
  • نزع سلاح القبائل .
  • احتلال المواقع الإستراتيجية .
  • تسليم الأسرى .

واستسلم الرجل للفرنسيين حقناً للدماء في معركة خاسرة ، وفي 27 مايو عام 1926م ذهب إلى الخطوط الفرنسية ومعه شقيقه وعمه . وبهذا طويت صفحة حرب الريف لمقاومة الاحتلال وخضعت المنطقة الشمالية من المغرب للاحتلال الإسباني للمرة الأولى في التاريخ . عاش الزعيم الكبير بعد الاستسلام 37 عاماً ، منها 21 عاماً في أسر الفرنسيين و 16 عاماً ضيفاً على مصر ففي 28 مايو من عام 1926م تم نقله مع رجاله إلى مدينة تازة ومنها إلى فاس ، وفي 14 يوليو من العام نفسه تم نفيه وصحبه إلى جزيرة الروينيون ذات المناخ القاسي والسيئ ، لكنه تقبل الضيم صابراً محتسباً ولم يشك همه لأحد وانصرف إلى القراءة والعبادة .

لم يهدأ النضال الوطني ضد المحتلين الفرنسيين وإنما تجدد على فترات ، وفي عام 1947م كان يقوده الملك محمد الخامس وحزب الاستقلال ، وعندئذ بدأت فرنسا تلوح للملك بأن هناك شخصية مغربية قادرة على أن تنازعه أمجاده لدى الشعب ، ولهذا قررت الإفراج عن الأمير عبدالكريم ونقله إلى فرنسا وأعدت مكاناً لائقاً لإقامته بالقرب من مرسيليا ، وبينما كانت السفينة التي تحمله وأسرته تمر بقناة السويس إلى بور سعيد تمكن من الهرب منها بتدبير من بعض الشباب المغربي والمصري وبتشجيع من الحكومة المصرية التي منحته حق اللجوء السياسي الذي طالب به ، ( ولا شك أنه كان للملك فاروق ولحكومة النقراشي باشا وللجامعة العربية دور كبير في إنجاح هذه الخطة ) .

وقد أكرمت الحكومة المصرية وفادته حيث منحته مقراً لإقامته يليق به وبأسرته في ضاحية الزيتون من القاهرة ، وألحقت أبناءه بالمعاهد المختلفة ، وأصبح قطباً لحركات التحرير في شمال إفريقيا بعد إنشاء مكتب المغرب العربي بالقاهرة .

وكان من رأيه ( يرحمه الله ) أن انتزاع الاستقلال من براثن الاستعمار الفرنسي لن يتحقق إلا بالثورة المسلحة في كل قطر من أقطار الشمال الإفريقي ، وذلك بعكس سياسة الرئيس التونسي وقتها الحبيب بورقيبة ، وهي سياسة الوفاق التي يرى الزعيم الخطابي أنها ضاعفت المخاطر المحدقة بالثورة الجزائرية التي أراد الله تعالى أن يطيل عمره حتى يرى بشائرها ، كما رأى عودة محمد الخامس من منفاه إلى وطنه عام    1956م ، كما التقى به عند زيارته للقاهرة عام 1960م وفي الثاني عشر من رمضان 1382هـ الموافق 6 فبراير 1963م فاضت روحه إلى بارئها راضية مرضية إن شاء الله .

هؤلاء هم أجدادكم يا شباب المغرب العربي ! فأين أنتم من هؤلاء الأجداد ؟ وللحقيقة نقول : كان الإمام التونسي محمد الخضر حسين     ( شيخ الأزهر فيما بعد ) أول من استقبله في بور سعيد ، ونظم هذه الأبيات [1] تحيةً لذلك الزعيم الكبير :

قلت للشرق وقد قام عــــلــى  قــــدم يـــــعـــرض أرباب الــمـــزايا

أرنــي طلــعـة شهم يـــنــتضي  سيفه العضْب [2] ولا يخشى المنايـا

أرنــــيــــها إنــــنـــي من أمـــــــة  تركب الهول ولا ترضى الدنــايـا

فأرانــــي بــطل الريـف الذي دحـــر [3] الأعـــداء فــارتـدوا خزايا [4]

غــضــبـة حــراء [5] هـزتــه لأن  ينقذ المغرب من أيـــــدي الــــرزايا [6]

شب حرباً لو شددنا أزرها [7]  لأصــــــابــــــت كل باغ بــــشــظايا

[1] ديوان خواطر الحياة ، المجلد السابع ، موسوعة الأعمال الكاملة للإمام الأكبر محمد الخضر حسين ( شيخ الأزهر سابقًا ) ، دار النوادر ، دمشق ، ط 1 ، 1431هــ/2010م .

[2] العضْب : السيف القاطع .

[3] دحر : طرد وأبعد .

[4] خزايا : جمع خزيان . يقال : خزى منه أي استحى منه .

[5] حراء : ساخنة .

[6] الرزايا : جمع الرزيئة ويقال الرزية .

[7]  الأزر: القوة والطهر.