الأمة الوسط وشهادتها على الناس

الإنسان المعاصر بين الجد والهزل
جنوری 1, 2020
أفضل الخلق في قاعة الامتحان
جولائی 3, 2020

مهما ركزنا جميع الآليات الحديثة على التفتيش عن وسائل الأيدلوجيات المعاصرة التي تعيش في العالم اليوم لما استطعنا أن نتبين واقع الإنسان في الدول المادية بوجه خاص ، إنه يعايش كثيراً من الاتجاهات المضادة مما يباعد بينه وبين الطبيعة السليمة التي فطر عليها ، ويتنفس في جو قلق لا يسمح له بالطمأنينة التي لا غَناء عنها لأفضل الخلق في العالم البشري .

إنها حقيقة ملموسة مشاهدة في المجتمعات الإنسانية المعاصرة بجميع أنواعها ، وهي تشمل الجهات السكانية كلها في الشرق والغرب والشمال والجنوب ، فقد أصبحت تظهر المخالفات التي لا يسمح بها القانون الطبيعي من وضع الله تعالى ، خالقِ النوع البشري ومانح الأفضلية له في كل مكان ، ولذلك لم يكن هناك مجال للحرية المعاشة اليوم بين المجتمعات والبيئات ، وهي لا تعني إلا محاربة ذلك القانون الطبيعي الذي يمنح البشر كلهم علواً وفضلاً ، ويطالب منهم أن يطبقوه على جميع شئونهم وأحوالهم ، ومعلوم أن الدول الصغيرة والحكومات الكبيرة العالمية كلها تعيش تحت القانون وإن كان من صنع الإنسان إلا أنه لا يستطيع أن يستغني عن قانون الطبيعة في أي حال ، ذلك لأن الإنسان ليس مادةً فحسب ، بل إنه جسم وروح ، ومادة ومعنى ، فإذا حاولت مجموعة بشرية أن تكتفي بالإعدادات المادية وحدها وتترك القوى المعنوية التي أودعها الله سبحانه وتعالى في الطبيعة البشرية لغواً ، دون الاستفادة منها في تعديل الجو الحيوي للعيش في هذه الكائنات ، كانت النتائج مضادةً وتتابعت مشكلات وتعقدت مسيرة الحياة من جميع النواحي كما هو الشأن في الدول المادية .

ومن هنا فقد الإنسان طريقه المنشود الذي يؤديه إلى سعادة وأمن ويوفر له الطمأنينة والهدوء في كل ناحية ، هذا الواقع ملموس اليوم على جميع المستويات الفردية والجماعية ، والناس كلهم يبحثون عن ملاجئ الأمن والعافية ويتطلعون إلى مواقع الازدهار والغنى والمناصب العالية في الحياة ، مهما كلف ذلك العمل بعض المتاعب من التضحية بالمال   والنفس ، هذا ما يعلمنا الرجل المادي والحضارات المعاصرة التي يعيشها الناس ويعتقدون الحياة الدنيوية منتهى آمالهم وعاقبة أعمالهم ، وليس عندهم أي تصور للحق الذي يعود عليهم ممن خلقهم في صورة إنسان ، وميَّزهم عن الخلائق الكونية كلها ، ولا يعرفون معنى لما أكد لهم خالقهم الواحد الأوحد الأحد ، الله رب السماوات والأرض والكائنات كلها : ( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ ٱللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ) .

فمن هو الأتقى عند الله ؟ وقد سبق ذلك التذكير من الله تعالى أن الناس كلهم أبناء آدم وحواء عليهما السلام ، فكان لا بد من وضع حدود للتعارف فيما بينهم فتوزعوا بين الشعوب والقبائل لمجرد التعارف والتعايش بعواطف الخير والنصح لا بالفخر بالآباء والأنساب ومفاخر الدم واللون ، فمن عاش في هذا العالم في الإقبال على الله تعالى وعواطف الشكر على نعمة الإنسانية التي لا تساويها نعمة أخرى ، فهو الأكرم الأعز عند ربه تبارك وتعالى الذي يعرف بكل دقة أن الانتماء إلى الأبوين الأولين إنما هو الأصل ، وموضع الفخر ، أما إذا كان هناك شيئ يفتخر به ، فلتكن قلوبنا مفعمةً بروح التقوى التي لا تتيسر إلا بالاتقاء الكامل من شهوة المال وشهوة النفس ، والتوكل الخالص على الله تعالى في الرزق من كل نوع ، فإنه يرزق الجميع كل ما يحتاج إليه ، وهو يتولى حياته ونموه وبقاءه على أحسن حال مهما كان من مخلوق ، إلا أن الإنسان فإنه يتوزع بين فطرة الله التي فطر الناس عليها وطبيعة النفس التي تغاير الفطرة السليمة فتبعثه على الخضوع أمام الشهوات من النفس والمال ، والحرمان عن الفوز العظيم الذي لا يتحقق إلا بالطاعة الكاملة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم ، ومن ثم كان النوع البشري كله مطلوباً منه أن يعيش كأفضل الخلق في كل حال من الشدة والرخاء ، ولا يحيد عن طريقه الذي قرره الله العظيم بغاية من الوضوح والتنوير ، وما هو إلا طريق الفطرة الإيمانية الربانية التي خصها الله سبحانه لأفضل خلقه الإنسان وقد هداه السبيل ، وأنعم عليه بنعم الإنسانية التي لا يأتي عليها الحصر ، فمن عرفها وعاش مغتبطاً بها وشاكراً لها ومفتخراً بها ، فذلك هو العبد المؤمن العارف بربه تعالى والعائش في الطاعة الكاملة له ، وقد صرح الله سبحانه بمثل هذا العبد المؤمن قائلاً في كتابه العظيم ( إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصَّادِقُونَ ) .

فالإيمان الصادق يتحقق بالإيمان واليقين بقدرة الله تعالى ، وبذل النفس والمال في سبيل الله وحده ، وقد مثل السابقون الأولون مثل هذه الحياة ، فكانت الحياة نموذجاً عالياً للأخلاق السامية من صالح الأعمال وسمو النفس والتمسك بالشريعة الإلهية في جميع مجالات الحياة الفردية والجماعية ، وتمثيل قول الله تعالى ( أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصَّادِقُونَ ) ، ورغم أن عالمنا الحديث قد تغيرت فيه المقاييس والموازين ، وحلَّت فيه قيم اصطناعية محل القيم الخلقية الإيمانية والتوجيهات الخالصة واتجهت نحو كسب المباهج المادية وحدها ، ولكن هناك نماذج كثيرة للحياة الصالحة والعيش مع الطبيعة الإنسانية الأصيلة التي هي مشروحة في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم بشيئ كثير من الوضوح والبيان ، وقد أخرج هذا الواقع العالم البشري كله من الحياة الزائفة ومن الظلمات التي ساقته إلى حياة البهائم والأنعام إلى حياة النور والإيمان ، وقد كان الناس يعيشون في ظلمات الجهل وعبودية الآلهة الباطلة من الأحجار والأشجار زاعمين أنها هي المعبود والمسجود ، وحسبنا أن نعرف قصة بني إسرائيل ، كيف رفضوا دعوة موسى عليه الصلاة والسلام وخرّوا أمام فرعون الطاغية ، فأذاقهم الله تعالى لباس الجوع والخوف ، وأغرقهم فجاءةً في النيل وقضى عليهم من غير رحمة ، وجعل الله سبحانه وتعالى هذا الإله المزيف الكذاب عبرة التاريخ إلى يوم القيامة .

ولمّا قال الملأ الذين كفروا من قوم نوح حين دعاهم إلى الإيمان بالله الواحد العظيم وعبادته ( يا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتَنِا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ ) ، ولمّا سخروا منه حينما كان يصنع الفلك لمن آمن من قومه فاجأهم عذاب من الطوفان الهائل العظيم الذي فار تنوره ، فأغرقهم على حين غفلة ولم ينج منه إلا من آمن وركب الفلك الذي صنعه سيدنا نوح عليه السلام ، وكذلك كل من دعا قومه إلى الله تعالى فاستجاب دعوته من أراده الله سبحانه ، ولكن الكافرين رفضوها وواجهوا من العقاب الشديد ما قدر لهم ، والله غني عن العالمين .

وهكذا كان الناس يعيشون حتى بعث الله رسوله خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم برسالة إنسانية وسط ، فكانوا أمةً وسطاً للعالم جميعاً إلى آخر يوم البقاء ، وكانوا شهداء على الناس إلى يوم القيامة      ( وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ    شَهِيداً ) .

والله يقول الحق وهو يهدي السبيل .

سعيد الأعظمي الندوي