أدب الأطفال وأهدافه في المنظور الإسلامي

العلامة الشيخ ولي الله الدهلوي : نابغة الدهر وعبقري الزمان ( الحلقة الأولى )
جنوری 2, 2022

دراسات وأبحاث :

أدب الأطفال وأهدافه في المنظور الإسلامي

بقلم : الأستاذ نوشاد الهدوي *

التمهيد :

” الصبي أمانة عند والديه ، وقلبه الطاهر جوهرة نفيسة ساذجة خالية عن كل نقش وصورة ، وهو قابل لكل ما نُقش ، ومائل إلى كل ما يُمال به إليه ، فإن عُود الخير وعلمه نشأ عليه وسعد في الدنيا والآخرة ، وشاركه في ثوابه أبوه ، وكل معلم له ومؤدب ، وإن عُوِّد الشر وأهمل إهمال البهائم شقي وهلك ، وكان الوزر في رقبة القيم عليه والوالي ” . تتجلى فلسفة الإسلام في رعاية حقوق الأطفال وطريقة العناية بهم في هذه الفقرة المذكورة أعلاه التي قالها الإمام الغزالي رحمه الله . وتختلف الفلسفة الإسلامية عن المناهج التربوية الحديثة لأنها تجعل فلسفاتها وتصوراتها في التربية مجرد توصيات ، حتى إن لجنة حقوق الطفل التي أنشأتها اتفاقية حقوق الطفل للرقابة على احترام حقوق الطفل الواردة في الاتفاقية من قبل الدول التي صدقت أو انضمت إلى هذه الاتفاقية – يقتصر دورها على دراسة التقارير والشكاوي الواردة إليها بشأن انتهاكات حقوق الطفل وتقديم تقارير بذلك ، ولا يمتد اختصاصها وسلطتها إلى بيان التدابير التي يمكن للجنة اتخاذها عند انتهاك إحدى الدول لأحكام هذه الاتفاقية أو عند تقاعسها عن الوفاء بالتزاماتها بموجب الاتفاقية . ومن هذا الانطلاق يتجه هذا البحث إلى دراسة أدب الأطفال في المنظور الإسلامي وإلى استكشاف الدور الذي يلعبه أدب الأطفال في تربية الأطفال في مراحل العمر المختلفة وتثقيفهم بالثقافة الإسلامية ذات قيمة عالية .

لقد اهتم الدين الإسلامي – وهو المنهج الشامل المتكامل للحياة بالطفل ، واعتنى به عنايةً كبيرةً ، وامتدت  هذه العناية إلى فترة    كبيرة ، تبدأ المرحلة المبكرة مرحلة الاستعداد لتكوين الأسرة قبل ولادة الطفل – إلى أن يصبح رجل الاهتمام بالبيئة التي ستحتضن الطفل : فقبل أن يكون هناك طفل وولادة ، أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم لك باختيار المنبت الحسن الذي سينبت فيه الطفل ، ثم يخرج وينشأ ويتربى في حضانه ، فقال عليه الصلاة والسلام : ” تخيروا لنطفكم وزوجوا  الأكفاء ” ( أخرجه الحاكم في المستدرك ) ، وفي رواية أخرى : ( تخيروا لنطفكم ، فإن النساء يلدن أشباه إخوانهن وأخواتهن ) ، وكذلك في رواية ثالثة : ( اختاروا لنطفكم المواضع الصالحة ) .

ثم اهتم الإسلام برضاعته ورعايته ، وكفل له حقوقه . على الوالدين والإخوة والأقارب . وضمن له التربية الصالحة والتعلم المطلوب . في حضانته يقول الله عز وجل : ( وَٱلْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَ وَعلَى ٱلْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى ٱلْوَارِثِ مِثْلُ ذٰلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُوۤاْ أَوْلاَدَكُمْ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّآ آتَيْتُم بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) [1] .

بهذا الوضوح ، وهذا التحديد والتفصيل حدَّد القرآن الكريم قضية الرضاعة والحضانة ، ثم ربط ذلك كله بتقوى الله ومخافته ، والتذكر الدائم بأن الله عليم بصير يرقب الإنسان ويعلم ما تكنه الصدور ، حتى لا يقصر في واجبه نحو الطفل الصغير ، بل ليقوم بما عليه في الرعاية التي تكفل له السلامة والاستقامة ، وكذلك حض الإسلام الناس على رعايته والعطف عليه ، قال عليه الصلاة والسلام : ” من لم يرحم صغيرنا ويعرف حق كبيرنا فليس منا ” ( الأدب المفرد ) ، وقال   تعالى : ( فَأَمَّا ٱلْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ ) .

وكذلك أمر الله عز وجل بكفالة الطفل وتأديبه وتعليمه والحفاظ على حياته وأمواله ، يقول عليه الصلاة والسلام : ” من عال جاريتين حتى يبلغا جاء يوم القيامة أنا وهو ” وضم أصابعه أي كهاتين . ويقول عليه الصلاة والسلام : أكرموا أولادكم وأحسنوا أدبهم ، ويقول : ” ما نحل والد ولده أفضل من أدب حسن ” .

وبالجملة لقد كان اهتمام الإسلام بالطفولة اهتماماً واسعاً ، بل لم يسعد الأطفال في العالم كما سعدوا في ظل الحضارة الإسلامية ، لأن عناية الإسلام بالنشأة الأولى تفوق كل عناية ، باعتبارها حجر الزاوية في بناء المجتمع الإسلامي ، والمجتمعات المتطورة مثل الأمم المتحدة أعلنت حقوق الطفل في منتصف القرن السادس عشر ، والإسلام قد قام بإعلانها في القرن السابع أعني قبل 900 سنة قبلها . وكانت نظرة الإسلام تجاه الطفل نظرةً شاملةً متكاملةً ، تتجاوز في ذلك كل ما ادعته المدنيات المعاصرة ، والفلسفات الحاضرة . لم تكن عناية الإسلام بالطفولة عن طريق التشريعات والقوانين والنصوص فقط . كما تفعل المدنية المعاصرة – بل كانت تطبيقات وممارسات بدأ بها محمد صلى الله علية وسلم أثناء ملاطفته مع الأطفال الصغار ومداعبته معهم . ونستطيع أن نورد أحداثاً عديدةً من التاريخ الإسلامي مما يدل على هذا .

فالإسلام قبل أي نهضة أو حضارة أو أمة اعتنى بالطفولة ورعاها رعايةً شاملةً ، ووضع لها أسساً ستظل معالم تهدي في رعاية الأطفال . ولكن المؤسف حقاً أن الحديث عن الطفل والطفولة في هذا العصر عند كثير من الباحثين ، أصبح حُكراً على الغربيين والعلمانيين ، وأن الطفولة – كما يدعون – لم تلق الرعاية إلا بعد إعلان ميثاق الطفولة في الأمم المتحدة . وهو دعاء ينقصه الدليل . بل هو افتراء على الحقيقة  والواقع ، وتجاهل للإسلام والمسلمين [2] .

فالأدب مجال واسع له دور كبير في المجتمع . ويلعب أدب الأطفال دوراً بارزاً في حل مشاكل الطفولة ، وإصلاح مسار حياتهم الحالية والمستقبلية ، والتغلب على تعقيداتها وسلبياتها وهمومها . والإسلام كمنهج كامل وشامل للحياة لم يترك شاردةً ولا واردةً في حياة الفرد أو الجماعة إلا تناولها إجمالاً وتفصيلاً . ونستطيع أن نفهم مما سبق كيف حرض القرآن الكريم والحديث الشريف بتربية الطفل في صورة سليمة تنفع الأمة والدين .

والأدب أيضاً في المنظور الإسلامي وسيلة لتلقين الحضارة والأخلاقيات في الأطفال . وهو كما يراه سيد قطب : ” التعبير الناشئ عن امتلاء النفس بالمشاعر الإسلامية ” [3] . وفي رأي الدكتور نجيب الكيلاني : ” هو النظر إلى الكون والإنسان والحياة بما فيها من معتقدات وقضايا من خلال التصور الإسلامي ” [4] . فعلى رأيه أن سمات المفهوم الإسلامي للأدب سمات إنسانية عالمية تربط بالنفس الممتزجة بموضوعات الوحي الإلهي والمبادئ الدينية . فالإنسان المسلم فنان بطبيعته ، منفتح على قيم الكون والإنسان والعالم بكل مشاعره وأحاسيسه ؛ بأوسع أطرها ، يتفاعل بكل وجوده مع هذه القيم ، لأن عقيدته الإسلامية وتصوره المنفتح يجعلان منه إنساناً حساساً ، تتحرك أعماقه بشتى المعاني التي تستهدف التعبير ، وتتخذ إليه الوسيلة من أجل إخراج التجارب الشعورية بأسلوب جمالي مؤثر .

وإضافةً إليه نستطيع أن نأتي بما قاله الكيلاني بأن الأدب في المنظور الإسلامي يلزم أن يستوعب الحياة بكل ما فيها ، يتناول قضاياها ومشاكلها وفق التصور الصحيح لهذه الحياة في ضوء الإسلام ، فهو لا يزيف الحقائق ؛ أو يخلق وهماً فاسداً ، أو يخابي ضلالاً ، أو يزين نفاقاً ، ويطلق نيرانه على الانحراف والقهر والظلم ، ومن ثم ينهض بعزائم المستضعفين ؛ وينصر قضايا المظلومين ، ويخفف من بلايا المعذبين وأحزانهم ، ويبشر بالخير والحب والحق . وهو يعبر بصدق عن آمال الإنسان الخيرة ، ويتناول نواحي الضعف والتردد والانحراف فيه بتسليط الأضواء عليها لفهمها والشفاء منها ، لا لمجرد تبريرها ، أو التماس الأعذار لها [5] .

فالأدب الإسلامي بمفهومه الشامل إذن هو ذلك التعبير الفني الجميل الهادف ، لحقائق الألوهية ، والكون ، والحياة ، والإنسان ، ولطبيعة العلاقات والارتباطات فيما بينها ، من خلال المنظور الإسلامي . فحينئذ يكون تعريف أدب الأطفال هكذا : بأنه ذلك التعبير الجميل الراقي ، الرفيع ، الصادق في موضوعاته ، وإيحاءاته ودلالته ، الذي يثير المتعة والإثارة ، والفائدة معاً ، في أسلوب مناسب مفهوم يتلاءم مع عقلية الطفل في مراحله العمرية المختلفة ، من خلال التصور الإسلامي النابع من الكتاب والسنة ، للكون والحياة والإنسان ، فيجعله قادراً على تحمل المسؤولية في المستقبل ، وأداء الرسالة التي كلفه الله تعالى ، فيكون خليفة الله في أرضه بحق ، مع تحقق الشروط الإبداعية التربوية الفنية ، والقيم الجمالية لكل لون من ألوان أدب الأطفال .

وهو أدب لا يستمد مضمونه من قيم اجتماعية ، أو أخلاقية بشرية مريضة ، أفرزتها تحارب مهترئة ومعتلة ، تؤثر فيها الأهواء والنزوات والأحقاد ، وإنما يستلهم مضمونه من إرثه الإلهي المنزه عن الخطأ والهوى ، يستمد مضمونه من قيم الإسلام ومبادئه وعقيدته ، ويجعل منها أساساً لبناء كيان الطفل عقلياً ونفسياً ، ووجدانياً ، وسلوكياً ، وبدنياً ، ويساهم في تنمية مداركه ، وإطلاق مواهبه الفطرية ، وقدراته    المختلف ، وفق الأصول التربوية الإسلامية ؛ على أن يراعي ذلك الأدب وضوح الرؤية ، وقوة الإقناع والمنطق [6] .

فضلاً أن هذا الأدب يمارس دوراً تربوياً خطيراً ، وله قدرة عجيبة على التغيير ، ولكن لا يجب أن تغلب التربية الفن والإبداع ؛ بل يجب أن يسيرا معاً على قدمين وساق ، جنباً إلى جنب ، كالشيئ وظله . وقد حدد بعض الباحثين شروطاً لمفهوم أدب الأطفال الإسلامي في عدة نقاط :

  • خلوه من أي مخالفة شرعية عقدية أو تربوية سلوكية واردة في سياق الإعجاب ، أو في سياق محايد ، أو يتوقع أن تؤثر في وجدان الطفل .
  • سلامته من كل ما لا يناسب عالم الأطفال من آراء وأحكام وأقوال كالحديث عن بعض قضايا القدر ، أو أحكام الكبار الخاصة .
  • أن يحمل فكرةً تربويةً ؛ ولا يكون أدباً عبثاً لا نفع منه .
  • سلامته من التهويل والإيغال في الخيال ، وبعده عن إثارة الشكوك في ذهن الطفل المتلقي .
  • موافقته للمراحل العمرية للطفل ، بحيث يفصل الأدب المكتوب للطفل في مرحلة الطفولة المتأخرة عن ذلك الذي يكتب له في مرحلة الطفولة المبكرة وهكذا [7] .

فدور أدب الأطفال كما يرى إبراهيم بن سعد الحقيل يكون :    ” ليبث الإيمان بالله والوطن والإنسانية في القلوب الغضة الرقيقة ، ليدفع بالأطفال إلى خدمة الآخرين ، ولينمي فيهم الوعي الجماعي وروح التعاون ” .

ومن ثم فإن أدب الأطفال من المنظور الإسلامي ، يحقق أربعة أهداف سامية رئيسية ، فالذي يكتب للأطفال ويعد البرنامج لهم عليهم أن يركزوا أعمالهم على هذه الأهداف وهي :

(1) عقدية :

الإسلام دين لم يرفض الإبداع ولم ينكر أهميته ، بل طلب ودعا إلى توظيف القدرة الإبداعية لأغراض عقدية . وهذه هي سنة الرسول صلى الله عليه وسلم وسنة خلفائه حيث إنهم قاموا بحنب المبدعين الذين تمحورت أعمالهم بالقيم الدينية أمثال حسان بن ثابت وكعب بن مالك وغيرهم من الصحابة والتابعين الذين بذلوا قصارى جهودهم لحماية المسلمين . فعلى المبدعين المسلمين أن يراعوا قيم مجتمعهم الأساسية فلا يجوز لهم الخروج عن القيم التي آمن بها مجتمعهم . فعليهم أن يعملوا لإبراز وترسيخ القيم العقدية والخلقية السائدة في مجتمعه المؤمن والمنبثق من الإسلام كما يقول الإمام الغزالي : ” اعلم أن ما ذكرناه في ترجمة العقيدة ينبغي أن يقدم إلى الصبي في أول نشوئه ؛ ليحفظه حفظاً لا يزال ينكشف له معناه في كبره شيئاً فشيئاً ” [8] . فيجب أن يعبر عن هذا الأدب عن عقيدتنا الإسلامية ، فنجعل عقيدتنا تصل إلى الأطفال عن طريق الربط بينها وبين جميع حواسهم وملاحظاتهم ومداركهم . فيبدأ بغرس محبة الله ومحبة النبي صلى الله عليه وسلم ومحبة الصحابة والتابعين والصالحين في قلوبهم عن طريق عرض القصص والأناشيد . وترسيخ العقيدة في نفس الطفل يكون بتعريفه بأن الإسلام هو النعمة الكبرى التي من الله علينا بها سائر الناس ، وأن لهذه الأمة تاريخاً مجيداً ، وأبطالاً وأمجاداً سطروا هذا التاريخ حين جعلوا الإسلام لأنفسهم شرعةً ومنهاجاً .  ويكون مضمون القصص أو التلوين أو الفيلم أو الأنشودة التي تقدم لجمهور الأطفال متمسكةً بأسس العقيدة الإسلامية لتكون أسرع رسوخاً في ذهن الطفل .

(2) تعليمية :

وعلى هذا الجنس الأدبي الموجه إلى الأطفال أن يقدم لهم شيئاً مفيداً ، يستفيد به لحياته المستقبلية . ويجب أن يستغل حب الأطفال إلى الاستطلاع لتزويدهم بقدر كبير من المعرفة . ويدرب الأطفال على قراءة القرآن مع مراعاة أحكام التلاوة . وينبغي أن يكون هذا الأدب محفزاً الطفل على اكتشاف كل جديد ، ومعرفة خفاياه من علوم دنويوية تحيط به كمكونات جسم الإنسان وآليته وخلق الحيوانات والأرض والأفلاك وغيرها ، ليعرف إبداع الخالق وعظمته ، مع ربط ذلك بالقرآن الكريم الذي يحوي الكثير منها . كما يساعد الطفل في معرفة التاريخ والجغرافية والفيزياء والكمبيوتر والأفلاك والأقمار الصناعية . ويقول محمد بريغش في كتابه عن أدب الأطفال : ” أدب الطفل يعين على اكتشاف الهوايات والحصول على المهارات الجديدة ، ويعمل على تنمية الاهتمامات الشخصية عند الطفل ” .  اللغة الفصحى التي يستخدمها الأدباء في مؤلفاتهم وفي البرامج التلفازية تعلم الأطفال لاستخدامها والتحدث بها في البيوت وخارجها .

(3) تربوية :

والأهداف التربوية لأدب الأطفال متعددة ، وتنبع من الأصول التربوية لذلك الأدب . لأن المنظور الإسلامي تجاه التربية نظرة شاملة من حيث تنمية فكر الإنسان وتنظيم سلوكه وعواطفه على أساس الدين الإسلامي . وهي مختلفة عن غيرها من الديانات والمجتمعات . ويتخذ موقفها على فكرة أن التربية ” عملية تفاعل بين الفرد والبيئة الاجتماعية المحيطة به ، مستضيئة بنور الشريعة الإسلامية بهدف بناء الشخصية الإنسانية المسلمة المتكاملة في جوانبها كلها ، وبطريقة متوازية ” وبقصد تحقيق أهداف الإسلام في حياة الفرد والجماعة ، وفي كل مجالات  الحياة ، فهي منهج شامل كامل للحياة ، وللنظام التعليمي بكل مكوناته .

ويقول عبد الرحمن الباني في كتابه : مدخل التربية في ضوء الإسلام : ” ومن الأهداف الكبيرة لأدب الأطفال التربية ، والتربية عملية تقويم ، وتوجيه لسلوك الإنسان لتطبيق منهج الله عز وجل ، أو لتحقيق معنى العبودية لله عز وجل في حياة الإنسان على مستوى الفرد والجماعة والإنسانية ” . فأهمية هذا النوع من الأدب أن التربية التي يتلقاها الطفل عن طريق الأدب ليست بأقل مما يتلقاها في مدرسته أو على يد والديه أو عن طريق مجتمعه ؛ لأن الطفل عندما تكون هذه التربية بالأدب أياً كان نوعه يقرؤها أو يسمعها أو يراها ؛ فإنها ترسخ في ذهنه ؛ فابن عباس رضي الله عنهما عندما أوصاه الرسول صلى الله عليه وسلم بالوصية الجامعة كان غلاماً ، ورغم ذلك طبق تلك النصيحة ونقلها إلى غيره من الناس ، وطبعت حياته بطابعها الإيماني .

فالأطفال بطبائعهم ميالون إلى تقليد غيره من الكفار بالحسن وبالقبيح ؛ فالتربية لا بد أن تراعي ذلك الجانب ؛ فإنه عندما يرى فيلماً أو يقرأ أو يسمع قصةً يتمثل أو يحاول أن يتمثل دور البطل أو الشخصية التي تناسبه فيها ، فيحاول قدر الإمكان تقليدها ؛ لذلك وجب علينا أن نستفيد من ذلك وخاصةً في الأدب المرئي للطفل ؛ لأنه أســهل طريــق للتربية لا يحتاج إلى كبير جهـد وعناء . فيجب أن يكون هذا الأدب مربياً للطفل على الأخلاق الحسنة الفاضلة متصفاً بالتوحيد ؛ فما أحسن تلك الأفلام المتحركة أو غيرها التي تصور طفلاً ينشأ على الفطرة الإلهية موحداً متصفاً بأخلاق حسنة وصفات نبيلة يتمثلها الطفل ويعجب بها أيما   إعجاب ، وما أكثر ما بلينا بتقليد أطفالنا لكل بطل أجنبي بسبب قصور أدب الطفل المرئي لدينا ، إن لم نقل انعدامه ، فجلب لنا جيلاً منفصلاً عن أمته ، بل وعن محيطه الصغير ممن هم أكبر منه سناً ، وما أعظم تأثير قصص أبناء الصحابة والصغار الصالحين ؛ لأنه سيتمثل تلك المواقف لتصبح جزءاً من تكوينه .

فعندما نقدم للأطفال قصصاً أو برامج مرئيةً يجب علينا أن نختار المواد التي تربط بالدين ولا بد أن ننمي فيهم عن طريق أدبهم روح الجهاد وبذل النفس والمال في سبيل ديننا ؛ كما ننمي فيهم روح المبادرة والقيام بالأعمال المفيدة ، بل أن ننمي فيهم انتظار المعجزات التي لن تكون ، ونربي بهذا الأدب الاعتماد على القرآن والسنة لتصديق أمر ما بدلاً من تحكيم غيرنا الذي قادنا لنؤمن بالخرافات والأساطير ونجعل هذا الأدب يطبعهم بطابع العزة والأنفة وعدم الانحناء أمام ملذات الدنيا ، ويصور لهم أن الحياة خير وشر وسعادة وعناء ، حتى نبعدهم عن اليأس والضغوط والتشاؤم .

ويمكن تلخيص ما قدمنا هنا في بعض النقاط :

  • مساعدة الأطفال على أن يعيشوا خبرات الآخرين ، ومن ثم تتسع خبراتهم الشخصية وتتعمق .
  • إتاحة الفرصة للأطفال كي يشاركوا بتعاطف وجهات نظر الآخرين تجاه المشكلات وصعوبات الحياة .
  • تمكين الأطفال من فهم الثقافات الأخرى وأساليب الحياة فيها ، حتى يتمكنوا من التعايش معها .
  • مساعدة الأطفال على التخفيف من حدة المشكلات التي يواجهونها وشرح سبل علاجها لهم حتى يزدادوا ثقةً بأنفسهم .

(4) ترفيهية :

القصص والمسرحيات والأناشيد التي تقدم إلى الأطفال يهدف بمعظمها ترفيه الأطفال وإن كان مضمونها يشتمل على أهداف سامية مما سبق ذكرها . فالأطفال عندما يسمعون قصةً أو يلونون صورةً أو يشاهدون فيلماً أو يقرؤون قصةً فإنه يستمتع بذلك أولاً ، ويتسلى بها ، ويكتسب من تلك التسلية قيماً ومفاهيم . فعلى الأدباء الذين يقدمون للأطفال أنواعاً من الأدب أن يضمنوها قيماً إنسانيةً ودينيةً واجتماعيةً ، لا تخالف تعاليم الإسلام .

* الأستاذ المساعد ، قسم اللغة العربية ، جامعة كيرالا .

[1] سورة البقرة : الآية 233 .

[2] بريغش ، حسن محمد : أدب الأطفال أهدافه وسماته ، مؤسسة الرسالة ، بيروت ،  1996م ، ص 23 .

[3] سيد قطب : معالم على الطريق ، دار الشروق ، القاهرة ، 1983م ، ص 28 .

[4] الكيلاني ، نجيب : رحلتي مع الأدب ، مؤسسة الرسالة ، بيروت ، 1985م ، ص 222 .

[5] الكيلاني ، نجيب : مدخل إلى الأدب الإسلامي ، رئاسة المحاكم الشرعية والشؤون الدينية بقطر ، 1408هـ ،ص 34 .

[6] الكيلاني ، نجيب : أدب الأطفال في ضوء الاسلام ، مؤسسة الرسالة بيروت ، 1991م ، ص 14 .

[7] الدندراوي ، أحمد عبد المجيد خليفة ، أدب الأطفال في العالم العربي ، دار الهداية ، مصر ، 2013م ، ص 36 .

[8] الغزالي : إحياء علوم الدين ، ص 94 .